Catégories
استشارات لرؤساء الدول

اعتماد الديمقراطية وتكييفها مع حقائقنا

اعتماد الديمقراطية وتكييفها مع حقائقنا

انواكشوط ابريل 2005

الديباجة

التاريخ 8 يونيو، الموقع: انواكشوط العاصمة، المشهد: دبابات ومدافع تتوجه نيرانها نحو رموز الدولة. ثلاثة أيام تمر دون سلطة في البلاد لاجرائم. لا حرائق. لا نهب. الشعب اختار الانضباط والتحكم في النفس… النخبة في المعارضة أو الموالاة كان موقفها الانتظار والترقب. الدولة « مع بعض الاستثناءات اختارت التلاشي…  تجربة ساقها التاريخ لكشف المواقع وكأن الجميع لم يدرك أهمية الدولة والنظام لبقاء الوطن.

الدولة أبدت تسامحا لا انتقاما، والشعب في مجموعه عبر عن موقفه بأرقى أشكال التحضر…

لقد حرك هذا المشهد بإفرازاته الأولية ما كان مني ساكنا طيلة سنوات… وقادني إلى عملية استرجاع ومراجعة وتأمل عميق… كنت أعمل بالسياسة في مرحلة الشباب الاولى بدوافع وطنية بحتة يحكمها إحساس ذاتي بالمصلحة العامة والرغبة الصادقة المخلصة للإسهام في بناء الوطن. إلى أن جاءت مرحلة الحكم العسكري، وجدت نفسي أمام خيارات عدة إما مواصلة العمل السياسي وبالتالي مواجهة ما لا تحمد عقباه على الصعيدين الشخصي والوطني، أو التنكر لمبادئي والارتماء في أحضان الانتهازية والوصولية… كان هذا تحليلي للمرحلة آنذاك، وآثرت في النهاية الانسحاب من الساحة السياسية واتخاذ موقف من الحياة ذي محاور ثلاثة:

  • الاهتمام بمصالحي العلمية والمهنية والابتعاد عن كل ما يؤذي بلدي أو الآخرين، أو ما قد يتسبب في إيذاء الآخرين لي.
  • تأمين معيشة كريمة لي ولأهلي من خلال العمل
  • المساهمة الوطنية من خلال التدريس في الجامعة والاستشارات التي أقدمها من خلال مكتب الدراسات والاستشارات الذي أترأسه.

هذا كان موقفي في الظروف العادية… أما الظروف الاستثنائية التي كانت تمر بها البلاد من حين لآخر، فلم أكن أملك أن أقف مكتوف الأيدي… عندها كنت أشارك بالفكر وبتقديم الحلول والآراء، وكثيرا ما كانت هذه الأفكار والآراء تأخذ طريقها للإنجاز الميداني عن طريق الأطر والصفوة ورجال الحكم والمعارضة…

لم أجد خلال العقدين الماضين ما يدفعني للانخراط العملي في السياسة، حتى عندما بدأ المسلسل الديمقراطي مع بداية التسعينيات لم أكن مقتنعا بالفهم العام للنموذج الذي طرح آنذاك والذي أدى من خلال الممارسة الخاطئة إلى جو من العداء والتناحر والفرقة… فالكل يعادي الكل أحزاب وسلطة ومجموعات. وأضحت الساحة السياسية مسرحا للنفاق السياسي والعداء وعدم مراعاة حقوق الآخرين… هل هذا ما كنا نتوخاه من الديمقراطية؟

ما هي الأسس التي يرتكز عليها نظامنا الديمقراطي؟

إن الديمقراطية في النهاية ما هي إلا وسيلة لتأطير ممارسة الحرية من خلال المؤسسات السياسية ودولة القانون.. إذن هي وسيلة والحرية والتنمية هما الهدف.

ولكي لا أبتعد كثيرا عن ما كنت بصدده.. أعود فأقول إن واقعة 8 يونيو ومن بعدها « الحكم الصادر في واد الناقة »[1] استثارت في رغبة في التأمل توصلت على إثرها إلى استنتاجات ومقترحات عملية وبراغماتية أقدمها بكل أمانة وشفافية وحسن نية لإخواني من أهل الفكر والسياسة، مقرا بأني لا أكن أي حقد أو حسد أو عداء أو انتقاد لأحد وليس لي أي دوافع مصلحية شخصية ولست مرشحا ولا مترشحا لأي منصب.

ولا يتعلق الأمر هنا بالماضي والتاريخ ولا بالنقد والتحليل أو برنامج سياسي، لكنها أفكار رجل وطني لم تشوهه ممارسات السياسة اليومية ولا يرجو إلا المصلحة العامة ولا شيء سوى مصالح الوطن  …

قادني التأمل إلى الإستنتاجات التالية:

  • إنني وأمثالي لا نملك الحق في مواصلة العزوف عن المشاركة في العمل السياسي الوطني وحرمان شعبنا وبلدنا من مساهماتنا بواجبنا الوطني في شتى المجالات.
  • إن القيم والمبادئ التي قادتنا إلى الإبتعاد حفاظا على أيدينا بيضاء، ليست نتائج في حد ذاتها، لكن نتائج وآثار هذه القيم تتمثل في ممارسة النضال السياسي من موقع الفعل مع الحفاظ على الأيدي بيضاء..
  • إن سياسة « كل شيء » أو « لا شيء » لا تجدي نفعا، وهي من نتاج العقل الثنائي (أبيض أو أسود) ونتائجه الخطيرة.
  • إذا تمسكنا نحن أصحاب المبادئ والقيم بأفكارنا واكتفينا بنقد الآخرين لن يحدث أي تغيير وستبقى الساحة السياسية حكرا على الإنتهازيين والأنانيين الذين لا يعملون إلا لمصالحهم الخاصة.
  • لن تجد الديمقراطية طريقها إلى التطبيق طالما اقتصرت ممارستها على طرف واحد
  • لقد ارتكبت المعارضة الموريتانية خطأ تاريخيا بعدم مشاركتها في انتخابات 1992 البرلمانية… وقد استنكرت هذا الموقف أنذاك واستنكرت سياسة « المقاعد الشاغرة ».

أطروحات عامة

وها أنا أسترسل في سرد أثني عشر مقترحا من وحي التأمل في الشأن السياسي:

اتباع منهج العقلانية العلمية وممارسة التفكير

العلم أثبت أن جهاز العقل البشري لا يتعب، كما أثبت أن هذا الجهاز يتميز رغم ذلك بالكسل بحيث أنه في تسع مرات من عشرة يجد لصاحبه من الحجج ما يمنعه من تفعيل هذا الجهاز وممارسة التفكير العقلي.

ونحن الموريتانيون لسنا باستثناء لهذه القاعدة. وإذا لم نول هذه القضية المركزية حقها من الاهتمام لن نتوصل إلى إحداث أي نقلة نوعية أو كمية في نموذج إدارتنا لحياتنا أو انماط سلوكنا وتفاعلنا مع روح العصر وأدواته.

يجب أن تخضع نظم حياتنا ومشروعاتنا المجتمعية للتفكير العقلي واستنباط الحلول من وحي منظومة القيم والأفكار التي ميزت موروثنا الحضاري عبر أزمنة التاريخ.

وبعكس ذلك أي بتهميش عقلانية التفكير تبقى خياراتنا أسيرة المحاكاة والتقليد والخضوع للتبعية، لا لشيء سوى أننا فوضنا التفكير لغيرنا وجاءت النتائج مخيبة للآمال فالحلول والنماذج المستوردة لا تنسجم مع وجدان هذا الشعب مادامت ليست نابعة من أفكاره وخصوصياته الذاتية.

مثال على ذلك.. عندما حان الوقت للتفكير في مشروع مجتمع حديث في دولة حديثة تعيش روح العصر وتستخدم أدواته لم نستطع تحقيق هذا الهدف فنحن ليس لدينا رصيد معرفي أو تجاربي عن نموذج الدولة المركزية، كما أنني سأسوق هنا سببا جوهريا آخر وهو أنه عند الاستقلال أي منذ أكثر من أربعين سنة لم تكن لدينا مستويات علمية أو معرفية بشرية تؤهل ولو- فكريا – لقيام دولة حديثة، وحتى السبعينيات من القرن المنصرم لم يكن رصيد هذه البلاد من حملة الشهادات العليا أو حتى المتوسطة بشيء يستحق الذكر.. ومعلوم أن العنصر البشري من أهم عوامل انطلاق أي دولة أو شعب نحو المستقبل.. وعندما تكونت لدينا – نخبة متعلمة ومثقفة – ، وأصبح لدينا رصيد لا باس به من الثقافة والمعرفة والفكر، جاءت النظم الاستبدادية التي حالت دون تبوء هذه النخب مكانها الطبيعي فكريا وعمليا في عملية صنع المستقبل..

وهكذا عجز الفعل وتوقف الفكر عن الدوران بتغييب وتغريب هذه النخبة..

واليوم لا شك أن الصورة تبدلت بعد عقود اربع مرت على الإستقلال.. فالمستوى العلمي والفكري والمعرفي ارتفع، هناك مؤسسات سياسية، مناخ ديمقراطي.. مما يجعلنا أكثر قدرة على المشاركة في صياغة المستقبل من موقع « الفعل » لا « الإنفعال » .. ولهذا كانت الدعوة للتأمل والتفكير العقلاني حتى نعيد العقل الذي كف في السابق عن « الدوران »، إلى « الدوران » من جديد.

يجب ممارسة التفكير من منظور إيجابي

الأفكار هي نتاج التفكير العقلي، والأفكار هي الأنوار، والأنوار تنير لنا الحاضر والمستقبل، يجب عدم خلط التفكير مع مشاعر الحقد والعداء والحسد.. فهذه كلها تؤدي إلى أفكار سلبية – تقول العرب « أن تشعل شمعة واحدة خير لك من أن تلعن الظلام ألف مرة » – « وكأس الحليب حين تتحطم – فالحليب لن يعود حليبا والكأس لن تعود كما كانت » – إذا نحن نظرنا إلى الجانب الإيجابي لأي شيء كان، فإن هذا سيحملنا على الحماس والتفاؤل وهذه هي المكونات الأساسية لإرادة التقدم من موقع التفكير الإيجابي.

إذا ركزنا على الجانب السلبي لأي شيء فسوف يطغى علينا التشاؤم والإحباط، لست هنا بصدد التنظير أو الوعظ لكنها حقائق نفسية جعلها الله في طبيعة الإنسان فالعرب تقول: « تفاءلوا بالخير تجدوه » .

وكمثال في هذا السياق – يحكى « أن أمريكيا اشترى بالثمن الذي حصل عليه بعد بيعه لكل ما كان يملك قطعة أرضية وتوجه إلى المصرف لاقتراض ما يشتري به أبقارا ينميها – فإذا به يكتشف أن هذه الأرض لا تسكنها إلا الأفاعي، تحت كل حجر فيها هناك أفعى رابضة.. المصرف رفض إقراضه.. والناس نظروا له بسخرية واحتار ما ذا يفعل .. وبعد تفكير (إيجابي) قرر الإستثمار في تنمية الأفاعي فأقلع عن مطالبة المصرف بالقرض واستمر بجهوده الذاتية في تنمية الأفاعي فانتعشت تجارته، الجلود يصدرها لباريس ولحومها للدول الأسيوية التي تستعملها، وسمومها لمصنعي الأدوية وأصبح يعد رابع أغني رجل في أمريكا.

هذا من نتائج التفكير الإيجابي – أي رؤية الجانب الإيجابي من كل شيء.

والسؤال الذي يطرح نفسه أيهما أفضل الإيجابي أم نتائج التفكير السلبي؟؟

وكمثال بين أيدينا مشهود.. اثنان ارتكبا نفس الجرم وحكم عليهما بنفس العقوبة وحبسا في نفس الغرفة وحارسهما واحد.

الأول كان ينظر دائما إلى الأسفل ويتذكر أخطاءه وجرائمه ويتحسر على ما فات، والثاني كان ينظر دائما إلى أعلى فيرى من ثقب في أعلى الغرفة ضوء الشمس والقمر والنجوم ويتأمل في هذا كله، وانتهت المدة وخرج الاثنان الأول مجنون فقد عقله والثاني عالم فلك وشاعر ومتأمل، وهذا من نتائج التفكير العقلي الإيجابي…

فلننظر من حولنا هل يملك أطر ومفكري هذا البلد تفكيرا إيجابيا أم سلبيا؟

يحدث في كثير من الأحيان أن ننحى منحا سلبيا في تفكيرنا وهذه خسارة فادحة، إن روح التفكير العقلي الإيجابي هو الذي ألهم الديمقراطية… والممارسة الفكرية السلبية هي التي نتج عنها قيام أنظمة بربرية فاسدة..

التفكير الإيجابي يدفعنا إلى تقبل الآخر، والسلبي يدفعنا إلى رفض الآخر

فلنحاول ممارسة التفكير الإيجابي وسترون النتائج.

الاعتراف بالخصوصية (الأصالة) كمرجعية حضارية

لسنا بصدد الترويج للماضي، لكننا نلتمس الاستثمار الأمثل لتراثنا أو أصالتنا التي تشكل ثروة مرجعية تعيننا على استنباط  نموذج مجتمعي وحلولا موضوعية لمشاكل التخلف التي نعيشها دون وصاية فكرية مستوردة.

تنفرد موريتانيا بخصائص لا تشبه غيرها فيها.. تبدو للوهلة الأولى كمجموعة من التناقضات التي تستعصي على الفهم.

فهو بلد كبير بمساحته صغير بعدد سكانه، ولديه دين واحد وشعوب مختلفة، غني بثرواته متخلف في وسائله، شعبه عريق متحضر يملك ثروة تراثية ومنظومة قيم غنية إلا أن حياته بدوية عشائرية.. وشعبه مسالم لكنه حتى الآن لم يستوعب فكرة الدولة المركزية والمصلحة الوطنية.. هذه المعطيات التي تبدو في ظاهرها متناقضة تفرض علينا اللجوء إلى خصائص التميز التي ننفرد بها تراثيا وحضاريا لاستلهام الحلول بدلا من استيراد النماذج والأفكار التي لا تناسب ثقافتنا وأسلوب حياة شعوبنا. إننا نؤكد على هذه النقطة ليس لارتباطنا بما هو أصيل من أجل الأصالة نفسها، وإنما لأننا لا نرفض الأفكار أو المشاريع بسبب كونها خاصة أو أصيلة وليست منقولة عن جهة خارجية.

نفس الشيء كوننا لا نرغب في أن ترفض أفكارنا لا لسبب سوى كونها أفكارا ذات طابع خصوصي أو أصيل نابعة من البلد الذي ننتمي إليه.

ولعل هذا ما يفسر عزوف الشعب عن التجاوب مع فكرة « الدولة المركزية » وكل مشاريع التحديث المعلبة لإحساسه أن هذه النماذج والأفكار ليست نابعة من وحي هويته التي يتسلح بها في مواجهة خطاب العولمة الذي يعمل على إقصاء الهويات وتهميش التراث وانتهاك الحقوق الثقافية للبشر. أو خطاب صدام الحضارات الذي يتبنى أساليب الوصاية والتعالي والفوقية من ثقافة على أخرى ويشعل فتيل التوتر بين الثقافات… أو أخيرا خطاب نهاية التاريخ الذي يعطي حق الغلبة والتفوق لثقافة ما على الثقافات الأخرى.

هذه المقترحات الثلاثة التي تبنيناها كأسس فكرية لأسلوب عقلاني، نتمنى على الجميع تبنيها واستلهام القوة المحركة منها نحو مستقبل أفضل.

المصطلحات والمفاهيم

هناك تسميات ومصطلحات مستوردة تفرض نفسها على الناس بحكم مرحلة تاريخية معينة تحمل في طياتها معان معينة ورؤى قد لا تكون هي نفسها التي يتبناها مستخدم آخر لها.

مصطلح المعارضة

مثلا، نحن نقترح استبداله بمصطلح آخر أكثر ملائمة للحالة الموريتانية.

فبدلا من استخدام مصطلح « أحزاب المعارضة »، يمكننا استبداله « بأحزاب التناوب السياسي » أو « أحزاب المقترحات والبدائل ». فكلمة « معارضة » جاءت بالوبال والخراب على كثير من الشعوب، سيما الإفريقية منها. فالمفهوم الخاطئ لهذه الكلمة رسخ لدى العامة من الناس فكرة رفض « الآخر » بصورة مطلقة مما كرس القطيعة وقوض المصداقية.. وهذا كله نتيجة حتمية لما سبق وأشرنا إليه من مساوئ التفكير السلبي. نفس الشيء ينطبق على « الحزب الحاكم » أو هؤلاء الذين يتبوؤون مراكز السلطة، صموا آذانهم عن الاستماع لأي شيء تقوله المعارضة – لا لشيء إلا لكونها « معارضة » وأصبحوا لا يأبهون حتى بوجود المعارضين أو الالتفات لمصالحهم أو حقوقهم.. فأحرى أفكارهم ومقترحاتهم. و »المعارض » يكون أحيانا له حظ من اسمه، فقد حصر نفسه وفكره وتصرفاته في نظر الناس في إطار الرفض المطلق لكل ما يأتي من الآخر أيا كان هذا الآخر. وبالتالي جعل المجتمع ينظر إليه بنظرة سلبية ويضعه دوما في موقع دفاعي.

فالرافض لا محالة مرفوض، وقد كان من المفترض أن يكون مصدر إثراء للفكر والمقترحات والبدائل التي تعين الشعب والحكم معا على رؤية الوجه الآخر للمشاركة.. ولو عن بعد..

فانظر معي إلى الآثار السلبية لهذا المصطلح على المجتمع وعلى المعارض نفسه الذي ظن أن الرفض لمجرد الرفض هو الدور المطلوب منه أداؤه في مسيرة المجتمع الفكرية والسياسية. قد يقول البعض إن هذا المصطلح عالمي ويستخدم في أكثر بلدان العالم… فأقول إن الدول التي ترسخ مفهومها وممارستها للديمقراطية يصح لها ذلك مع اعتلاء شعوبها لمستويات عليا من الوعي السياسي، أما الدول حديثة العهد بالديمقراطية علما وعملا لا يصح لها القفز فوق المعاني أو خرق المراحل وصولا إلى إيهام نفسها بتطبيق ما لم تستوعبه فكرا وأسلوبا.

فكلمة « معارضة » فسرت بأنها رفض للآخر، والرفض يؤدي إلى القطيعة والقطيعة معناها تعطل الاتصال، وبالتالي تعطل الحوار وإذا انقطع الحوار ستصاب الديمقراطية بالشلل ومما لا شك فيه فإن النخبة السياسية الواعية عليها دور كبير في ابتكار مصطلحات ومفاهيم جديدة[2] تلائم الحالة الموريتانية بدلا من المحاكاة المشوهة بل لم لا نكون نحن المبتكرون لمصطلحات جديدة نقترحها ونقدمها إسهاما منا في الفكر السياسي العالمي؟[3]

مصطلح الأغلبية الحاكمة وأحزاب الأغلبية

هذه المصطلحات أيضا يجب استبدالها لأسباب أخلاقية وسياسية ومؤسسية.

فعند ما نقول « أغلبية » نقول ضمنيا « أقلية » وهذا صحيح ومقبول في وقت الإقتراع، أما المرفوض أخلاقيا هو الإحساس المزيف لهذه « الأغلبية » طيلة وجودها في الحكم بالفوقية والتعالي إلى حد احتقار ونفي من هم في المقابل « أقلية ».

على المستوى السياسي والمؤسسي فإن الحزب الحاكم يغفل عن كونه يمارس حكم الشعب كله من خلال مؤسسات الحكم وليس الحزب، وان الأغلبية التي أوصلته إلى الحكم هي جزء – كبير – من الشعب كله وليست هي وحدها الشعب كله. لذا نقول ان لهذه المصطلحات آثارا نفسية سلبية تهمش أدوار أحزاب « الأقلية » وتعطل بالتالي فرصا كثيرة للوصول للحقيقة وإحقاق الحق، ناهيك عن كونها بعيدة كل البعد من أخلاقياتنا التي تتمثل في التواضع واحترام مشاعر الآخرين،

فالحقيقة ليست حكرا على أحد، كما أن الخطأ ليس حكرا على أحد.. كل طرف يملك جزءا من الحقيقة عليه أن يقدمه للمجتمع من خلال المؤسسات والآليات الديمقراطية وإلا فما معنى التعددية.. الحزبية أو السياسية؟

لذا فنحن نقترح تسميتها « بالأحزاب المكلفة بمسؤولية الحكم » وهو ما يضفي عليها طابع المسؤولية بقدر ما تحمله من أعباء وليس طابع ميزان القوى في مرحلة زمنية ما.

إيجاد ركيزتين  لممارسة الديمقراطية الموريتانية

الركيزة الأولى أو المحور الأول يرتكز على « قواسم الاتفاق المشترك » أو « الثوابت الاستراتيجية » على هيئة إطار موحد للأحزاب « كحزب الأحزاب » وقد يسمى حزب موريتانيا.

والمحور الثاني يرتكز على التعددية الحزبية وفيها تظهر نقاط الاختلاف والخلاف أو « المتغيرات التكتيكية ».

فالمقترح يقضي بإيجاد ما أطلقنا عليه « حزب الأحزاب » إلى جانب التعددية وذلك من أجل محاصرة الخلافات التي تؤدي إلى المزيد من « شظايا الأحزاب » و »الأحزاب الوهمية » التي لا فائدة من ورائها سوى تكريس الفرقة والتشرذم.. والدليل هو عجزنا حتى الآن عن إيجاد أرضية تفاهم مشتركة. إن رجال السياسة والنخبة المفكرة المنوط بها قيادة المجتمع والأخذ بزمامه تفقد مصداقيتها لدى جماهيرها من دوام تركيزها على الخلافات التي قد تؤدي إلى انتصار طرف على آخر لكنها قد تؤدي أحيانا إلى خسارة الطرفين وهذا ما أخشى منه على موريتانيا، حتى إن مصطلح السياسة أصبح رديفا لكل معاني الكذب والغش والنفاق بدلا من التركيز على ما يجمع ويوحد الناس على مصالحهم العامة[4].

قد يظن البعض أن هذه الأفكار تعيدنا إلى زمن الحزب الواحد بكل رجعيته وسلبياته.. لهذا البعض أقول إن خيار التعددية السياسية والحزبية لا بديل عنه وأن ما أدعو إليه هو إيجاد أرضية مشتركة تجمع النخبة السياسية الموريتانية على تحقيق مصلحة هذا البلد في إطار ديمقراطي موحد.

لقد تعلمنا من التجربة أن التناحر السياسي يشتعل في فترات الانتخابات أيا كان مستواها، فإذا قسمنا الزمن على دورتين: دورة الانتخابات ودورة المدد الزمانية التي تفصل بينها.. نجد أن الفترات الشاغرة التي تفصل بينها – وهي بالسنوات –  تصلح لإيجاد أرضيات تعاون والتقاء في ما بينها، ويبقى الصراع والتنافس في فترات الاستحقاقات الوطنية أيا كان مستواها.. تشريعية أو رئاسية..

وأذكر القارئ بأن الأفكار التي أقدمها تنطلق من نظرة إيجابية، وما استشهادي بتجربة الحزب الواحد، إلا استشهادا بتجربة هي جزء من التاريخ السياسي لهذا البلد، ولا أتصور شعبا يجهل أو يتجاهل تاريخه أيا كان حكمه على تجربة أو أخرى من هذا التاريخ..

ويحق لنا في هذا السياق التساؤل عما يمكن أن نجتمع على فعله سويا.. إن ما أنوه إليه هو الفعل المشترك لا الفكر المشترك.. نقطة الالتقاء إذن هي الفعل المشترك.

ويمكنني في هذا الصدد أن أسوق مجموعة من المحاور التي تصلح كأرضية مشتركة للعمل الوطني.

أ – المساهمة في ترقية الثقافة المدنية لدى الجماهير

فلا ديمقراطية دون مدنية هذا شرط أساسي لتطور ونمو المجتمعات الديمقراطية.. وكمثال فقد شاركت في عمليات انتخابية ووجدت نفسي أمام مجموعة كبيرة من بطاقات الانتخابات لم يتقدم أصحابها لسحبها. بالطبع الذاتي رفضت استخدامها لغير ما كانت صالحة له، بعض الزملاء استخدم هذه البطاقات زورا لترجيح كفة مرشح على آخر. هذه الواقعة تمثل حالة من فقدان الضمير المدني، فالتزوير يتأتى من فقدان الوعي المدني بالحق المدني. ولا يتأتى القضاء على التزوير وقلة الوعي بالحقوق والواجبات المدنية إلا بالتثقيف المدني ورغم أنني لم أكن أبدا عضوا في هياكل تهذيب الجماهير- ولا عضوا في الحزب الواحد – إلا أنني أتساءل عن إمكانية استخدام هذه التجربة في إعادة التهذيب المدني للجماهير شرط ألا يختلط ذلك بالعمل السياسي أو البوليسي.

وهنا نقترح – بشكل عابر – إنشاء محطة إذاعية وتلفزية تعنى فقط بالتربية والثقافة المدنية وإيقاظ الوعي المدني – والتوعية الحضرية[5] – وقد يشارك فيها سياسيون ومثقفون يمثلون مختلف الاتجاهات السياسية لكن كدعاة للثقافة المدنية والوعي القيمي والحضاري وليس للسياسة أو الأحزاب.

ب) محور المحافظة على البيئة كمجال للعمل المشترك

مجال خصب يحمل في طياته كل عوامل اجتماع الجميع حوله لمواجهة مشكلتي التصحر والتشجير وحماية الغابات والتغلب على مشاكل التلوث وبإمكان الأحزاب كافة تسخير كل طاقاتها على اختلاف مستوياتها للعمل معا على مواجهة هذه التحديات، ولست هنا أدعو إلى قيام حزب للخضر كما هو الحال في الكثير من الدول، إنما الدعوة موجهة إلى كافة المشتغلين بالسياسة والعمل العام للمساهمة المشتركة لحل مشاكل بلدهم الواحد وشعبهم الواحد.

ج – الأزمات التي تهدد البلد

والتي قد تهدد الوحدة الوطنية والديمقراطية أو تهدد بمجاعة أو جفاف أو أي كوارث طبيعية لا قدر الله.

هذه كلها مناسبات للالتحام ونكران الذات والعمل المشترك لتجاوز هكذا حالة أو أزمة.

د – محو الأمية – الحكم الرشيد

الكل يجمع على أهمية محو الأمية، وترشيد الإدارة، والعمل معا على ترجمة المبادئ والأهداف الواردة في خطاب رئيس الجمهورية في كيفه إلى برامج عمل مشتركة، فهي كلها من مواضيع الساعة ولدى الجميع توافق عليها جميعا ويمكن العمل من خلالها دون خلاف أو اختلاف.

إنشاء لجنة حكماء لاقتراح ميثاق شرف تلتزم به الأحزاب[6]

ويعنى بالأطر الأخلاقية والعملية والديمقراطية التي تحكم حركة الأحزاب في المجتمع.

إنشاء لجنة من الحكماء لمراقبة احترام تطبيق ميثاق الشرف[7]

والسهر على عدم تجاوز البعض للحدود والضوابط المنصوص عليها في ميثاق الشرف سيما في فترات الانتخابات بكافة مستوياتها وكما أن من صلاحيات هذه اللجنة اقتراح ما يعزز السلم الوطني ومبادئ الإصلاح والمصالحة بين الفرقاء، على أن تتكون هذه اللجنة من حكماء الوجهاء الذين كان لهم تاريخ في النضال والسياسة ولم يعودوا يمارسون السياسة في الوقت الراهن.

إلغاء الصبغة السياسية للمجالس البلدية والريفية

وتبقي السياسة القومية على مستوى الأحزاب السياسية وبالتالي تتفرغ المجالس البلدية لرعاية القضايا التنموية (اقتصادية ، ثقافية ، اجتماعية) على الصعيد المحلي لكل بلدية على حدة. أما الممارسة السياسية على المستوى القومي العام فتتولاها الأحزاب السياسية، ومن شأن هذا المقترح إتاحة الفرصة لكل أبناء البلدية الواحدة في اختيار مجالسهم والمشاركة على نفس القدم في تنمية بلديتهم بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية، نظرا لاختلاف المستويات والاهتمامات والوعي، فالديمقراطية تأخذ من كل فرد ما عنده..

من أسباب طرح هذا المقترح أيضا الملاحظ حاليا من اختلاط الاهتمامات السياسية الوطنية لدى البعض مع أهداف مستترة قبلية أو طائفية محلية لا ترمي إلا إلى تحقيق المصالح الشخصية الضيقة..

وبنظرة واقعية نجد أن الأطر أو الأحزاب في موريتانيا لم تصل بعد إلى مستوى نوعي وكمي يؤهلها لتولي مصالح الوطن ككل إلى جانب مصالح البلديات أو المناطق الريفية…

كما أن الوضع الحالي يكلف الجميع ما لا طاقة لهم به وأصبحت هذه المناصب تشكل عبئا على البعض بحيث لا يستطيع معها تلبية الواجبات الملقاة على عاتقه سواء كان عمدة أو شيخا أو نائبا…فأحرى عندما تجتمع كلها في شخص واحد!

ومن شأن هذا المقترح أن يفرز مجالس بلدية تنتمي إلى مؤسسات المجتمع المدني أو لأحزاب مختلفة مما يشجع ويعزز فكرة الالتقاء والاتصال للعمل في إطار مؤسسة واحدة.

والهدف الرئيسي لنا في هذا هو تسخير كل الطاقات البشرية والمادية لضمان تنمية أفضل للمناطق البلدية والريفية.

تكوين مجالس جهوية منتخبة من طرف بلديات ولاية ما

تعنى بالتنمية على المستوى الجهوي اقتصاديا واجتماعيا وتشكل في النهاية شكلا من أشكال البرلمانات الجهوية وترفع من الحس الوطني والشعور القومي لدى أعضائها باجتماع قبائل شتى في هذه المجالس تعمل لمصلحة الجهة التي تمثلها وليس للقبيلة التي تنتمي إليها. فمن خلال خدمته لمنطقته سيزداد العضو وعيا وتأهيلا لتحمل المسؤوليات الوطنية.

فالذي يهتم حقيقة بتنمية البلد ككل، يجب أن يهتم بتنمية الولايات، ومن أجل ذلك يجب خلق أطر مؤسسية لتحقيق هذا الهدف.

وهذا ما قصدنا به « المجالس الجهوية ». هذه البرلمانات الجهوية تبدو أكثر أهمية من مجلس الشيوخ أو على الأقل توازيه في الأهمية إن هي وجدت « الإمكانيات » واستقلالية التمثيل والحركة ذاتيا.

هنا نقترح ضخ عائدات النفط  في ميزانيات جهوية

لتمكين هذه المجالس من العمل بجد في تنمية وتطوير ولاياتهم. ولو أننا أدخلنا عائدات النفط في ميزانية الدولة مباشرة لازدادت الأعباء والضغوط على الإدارة المركزية مما لا يجعلها قادرة على حسن الأداء.

كما أننا في حالة الاهتمام بالولايات وتزويدها بالميزانيات والمشاريع من شأننا أن نشجع أهل كل ولاية على البقاء والعمل فيها ومراقبة نمو وتطوير ولايتهم بشكل يومي، كما أن من شأن ذلك تشكيل رقابة محلية من السكان على المشروعات، ورفع مستوى المعيشة والثبات في المناطق وعدم اللجوء إلى الهجرة لنواكشوط أو غيرها من المدن. كذلك فتحويل عائدات النفط للتنمية الجهوية من شأنه أن يضمن حسن تسيير هذه الثروة بعيدا عن أطر الإدارة المركزية الذين اكتسبوا خبرة كبيرة في سوء تسيير الأموال العمومية وتسخيرها لمصالحهم الخاصة. كما أنه سيقصر الدورة المالية لهذه الثروة فيما يسهل الرقابة عليها.

ومعلوم ضرورة أن أي ثروة منتظرة يجب التفكير مسبقا في قنوات صرفها أو توجيهها، فإذا تقرر سلفا أن ثروة النفط ستخصص للتنمية الجهوية فإن أطر كل ولاية سيبدأون من الآن في حصر احتياجات ولاياتهم وترتيب الخطط التنموية اللائقة والضرورية لها.

إنشاء وزارة مكلفة بالتنمية الجهوية والجماعات المحلية

بالتماشي مع المقترح بإنشاء المجالس الجهوية، فإن هذه الوزارة هي التي تمثل الدولة أو الإطار المؤسسي التنفيذي الخاص بقضايا التنمية الجهوية. صحيح أن هناك وزارة الداخلية ومن اختصاصاتها الإهتمام بالمحليات والولايات الخ… لكنا نرى أن موضوع إنشاء وزارة خاصة بالمحليات والتنمية الجهوية من شأنه أن يفرغ وزارة الداخلية للإهتمام بالأمن الداخلي.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن كلمة « داخلية » لا تعني شيئا لذلك فإننا اقترحنا إنشاء وزارة تنشق عن وزارة الداخلية تعنى بالتنمية الجهوية والجماعات المحلية  والبريد بحيث يكون البريد هو مصرف الولايات وهذا سيعود على شركة البريد بعوائد كثيرة وفوائد لهذا القطاع مع الولايات في نفس الوقت[8]. (مزيدا من الإيضاح سيرد في الجزء الثاني (الشق الإقتصادي)).

وبما أننا بصدد الكلام عن وزارة الداخلية فنقترح – بشكل عابر- أن تحول الإختصاصات الأخرى لوزارة الداخلية تحت مسمى جديد هو « وزارة الحريات والأمن والمواصلات » وذلك من شأنه أن يجعل الناس تعي العلاقة بين الحرية والأمن.

أخيرا نؤكد بأن الدور المنوط بالوزارة المكلفة بالتنمية الجهوية ينحصر أساسا في:

  1. سلطة وصاية للمجالس الجهوية والبلديات (في حين أن وزارة الحريات والأمن سيكون لها الوصاية على الأحزاب)
  2. تشارك في تعيين المشاريع التنموية على المستوى الجهوي
  3. تشارك في إجراء الدراسات العلمية لتلك المشاريع
  4. تراقب وتراجع استخدام الأموال المخصصة لإقامة المشروعات الجهوية.

قد يناقض هذا الكلام لدى البعض وجود وزارة حاليا تعني بالشؤون الاقتصادية والتنمية، لكن في تصورنا أن هذه الوزارة لها العناية بالمشروعات ذات الطابع الوطني كمشروعات البنى التحتية للبلد وغيرها – ولا شك أن هذا الفصل من شأنه أن يوضح الأمور أكثر بحيث تتوزع الميزانيات أو التمويلات على مشروعات ذات طابع وطني وأخرى ذات طابع جهوي مما يسهل عمليات المراقبة والشفافية وحسن التسيير.

[1]  انظر مقالة نشرت لي في هذا الموضوع.

[2]  إنذار تحقق. لقد أجبت شخصيا مخترعا مصطلح الحوار الداخلي والديمقراطية الداخلية.

[3] إنذار تحقق. إن مصطلح الحوار الداخلي والديمقراطية الداخلية وحوار دكار 2009 وغيرها من الحوارات اللاحقة 2011.

[4] إنذار تحقق. لقد شكل اللجوء إلى المجموعة الدولية وإلى تنظيم الحوار 2009 في دكار تمثلا لهذا الفهم الذي عبرت عنه خمس سنوات قبل ذلك

[5] لقد تم إنجاز هذا المقترح كما هو من قبل الإذاعة والتلفزة من خلال إنشاء محطة إذاعة المواطنة 2006

[6] وجوهر هذا المقترح قريب جدا من المهمة المعلنة من قبل المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية. يراجع ميثاق المجلس، أغشت 2005.

[7] فكرة قريبة جدا من روح إنشاء اللجنة الانتخابية الوطنية المستقلة.

[8] كانت هنالك تطورات (تراجع المهام الجديدة للبريد)