Catégories
استشارات لرؤساء الدول

من أجل انتقال ديمقراطي يحمي البلد من العودة إلى نقطة البداية

من أجل انتقال ديمقراطي يحمي البلد من العودة إلى نقطة البداية

Maghreb hebdo، فبراير 2006

في هذه الورقة أواصل استكمال المادة  التفكيرية  التي طرحتها أنفا متوجها إلى رئيس وأعضاء المجلس العسكري  للعدالة والديمقراطية …

كان رئيس النظام السابق  قد وعد ـ نظريا ـ بإحداث التغيير المنشود، وكنا قد وجهنا له ـ كتابة ـ عرضا يشتمل على اثني عشر مقترحا  له ولكافة المتعاطين بالسياسة  وذلك في إبريل 2005 … وأنتم حللتم على سدة الحكم في أغسطس من العام نفسه  لتطبيق التغيير والوعد  بالمزيد منه !

وقد وجهنا لكم « ورقة  » تشتمل على ثلاثة عشر مقترحا « عمليا » حيث أنكم شرعتم فعلا بالعمل.

واستكمالا  لهذا  الجهد الفكري نواصل اليوم تقديم مقترحاتنا مشاركة منا لكم  لتجسيد روح المشاركة وذلك لسببين :

لانشغالكم ما بين الفكر والتطبيق في حين أننا معنيون فقط بالجانب التفكيري.

لعلمنا بحتمية التغيير في هذا البلد ونحن راغبون في المشاركة حتى يأتي التطبيق العملي مطابقا للتغييرات المرجوة…

وكمقدمة لهذا فإليكم  أولا بعض الملاحظات  حول الوضع السياسي في البلد اليوم.

1 ـ نجد أنفسنا بصدد وضعية « متناقضة »… فالذين يمارسون السلطة اليوم ـ  المجلس العسكري جاءوا ـ لتطبيق الديمقراطية وصرحوا بعدم رغبتهم  في الاستمرار  في الحكم ، ووجه التناقض والغرابة يكمن في عدم توقع الجميع أن يصدر هذا من العسكريين الذين بحكم تكوينهم لا مدخل لهم في الحكم الديمقراطي من جهة  والرغبة في التخلي عن السلطة في أسرع وقت ممكن… وهذه في حد ذاتها سابقة في أدبيات الحركات العسكرية .

أما الشق الثاني لهذا التناقض فيكمن  في كون الأحزاب السياسية  المدنية  أعلنت عجزها  عن إحداث التغيير بالأساليب الديمقراطية!

ورحبت في الوقت نفسه بالمجلس العسكري الذي بدأ فعلا في إحداث التغيير. ووجه التناقض في ذلك يكمن في تغاير الأدوار …

فالتغيير اليوم أصبح متوقعا من غير جهته الأصلية. ويبدو أمامنا أن السبب الأول  في عجز الأحزاب السياسية  عن الحلول كبديل للمجلس العسكري  هو كونها لم يكن لها من مطلب لدى النظام السابق سوى الشكوى والتباكي، في حين  كان الحري بها مواصلة النضال  بالطرق السلمية الديمقراطية بالتواصل والانخراط في  الشارع  مع جماهيرها  كي تمدها بالقوة اللازمة لانتزاع ما تصبو إليه ، بدلا من الركون للضعف والعجز والتباكي…

والسبب الثاني  هو كون المال والقوة والعمل والفرص أساسا في موريتانيا عند الدولة  سيما بعد مرحلة الجفاف التي مرت بها البلاد لأكثر من عقدين من الزمن ، وتعود الناس على الإسعافات حتى أصبح كل من يصل للسلطة سيما رئاسة الدولة « قطبا » يجب على الموريتانيين الالتفاف حوله  والسير وراءه  لكونه يملك سلطة ويملك كل المقومات المشار إليها آنفا!

وبالتالي اعتاد من يعتلي هذا المنصب  الحرص على الاحتفاظ به والعزوف أو حتى عدم الإحساس بأي  ضرورة  بمشاركة الغير له في السلطة، أو حتى التفكير في التخلي عن هذا المنصب  تحت أي ظرف  في يوم من الأيام!

لن نطيل في نفس السياق ، الهدف الأساسي لدينا هو التغيير. بكلمة واحدة  فإن الطبقة السياسية في موريتانيا ضعيفة  حتى الحزب الجمهوري الذي كان « مستقوىا  » ظهر ضعفه، ومن كان أصلا ضعيفا لن تطرأ له قوة الآن  أما العسكريون فقد بدا أنهم  قد وصلوا إلى « مراحل متقدمة من النضج السياسي »  بحيث أنهم وعوا تماما أن الديمقراطية الحقيقية هي الحل الوحيد، وأنهم تجب عليهم المساهمة في تطبيقها في البلاد  دون الاحتفاظ بالسلطة إلى ما لا نهاية !

كلامنا  الآن موجه لأعضاء المجلس العسكري من حيث كونهم هم أدوات التغيير وزعماؤه، وفي ما بعد  ينتقل الأمر للسياسيين.

الملاحظة الثانية فكما يعلم الجميع  فإن هذه المسؤولية التاريخية  والأهداف النبيلة  التي تبناها المجلس،  ونظرا للخصوصية التاريخية لهذه الأحداث، فإن من واجبهم بعد أن دخلوا التاريخ من أوسع أبوابه،  أن يتخذوا من التدابير  ما يمكنهم من الخروج من الحكم من أوسع الأبواب  بعد تحقيق مهمتهم بنجاح … وللنجاح شروط هي :

1ـ  الوصول إلى  تحقيق الأهداف المعلنة ـ مؤسسات ديمقراطية … انتخابات حرة… إصلاحات دستورية…

2ـ أن يستمر ويستقر النظام الذي سيتم اعتماده مع ضمان عدم العودة للوضعية التي أتت بهم أصلا للحكم.

3ـ أن لا تحدث ـ لا قدر الـله ـ  ظروف  تشويش أو بلبلة  أو أي شيء  خاصة ما يستدعي منها  تدخل الجيش من جديد أو تدخل قوة أجنبية أو دولية  تفرض وصايتها أو ما شابه لا قدر الله.

الملاحظة الثالثة   شئنا أم أبينا فقد سلط التاريخ أضواءه  على موريتانيا بعد 3 أغسطس وسجل أحداثا في هذا اليوم  كسابقة على  كافة المستويات المحلية والإقليمية والدولية… والمفروض أن نستثمر هذه  الأحداث بإيجابية. ففي حالة الفشل – « لا قدر الله » – فالعواقب وخيمة، أما في حالة النجاح  فسوف نكون قد ابتدعنا نموذجا ومثالا حسنا يحتذي به في العالم أجمع.

لهذه الأسباب يجب أن لا ننسى أن التغيير يحدث  بارتباط مع الزمن  والزمن ثلاثة أيام أمس واليوم وغدا .

فالماضي ليس بمهم إن كان قد مضى فعلا أما إذا كانت له بقايا لا تزال موجودة فلا يجب التعامي عنها .

أما ما هو محسوب على الماضي بمعنى أنه نشأ في الماضي ونجده موجودا اليوم وغدا فلا يجب اعتباره من الماضي بل هو هيكلي  وتجب معالجته.

نحن على قناعة من وجهة التغيير والرغبة فيه ، فإن الماضي مضى، أما في الحالتين الباقيتين فالأمر يختلف.

في هذا السياق نعطي مثالا لمظاهر الفساد وأكل أموال الدولة : فنحن الموريتانيون قبل 3/8/2005 كنا منقسمين إلى هذه الأقسام :

القسم الأول : أولئك  الصالحون المهمشون غير أنهم لم يتسلحوا بالشجاعة الكافية  لتغيير النظام لا من داخله ولا من خارجه البعض منهم بقي في موريتانيا والبعض الآخر هاجر عنها.

هؤلاء كأهل البرزخ لا حسن ولا سيئ !

القسم الثاني: هؤلاء  الذين حولوا بحسن نية ونبل أهداف التغيير ما أمكن من سيئ إلى صالح في ظل نظام فاسد  مرة يحققون نجاحا ومرة يفشلون !

القسم الثالث   هؤلاء الذين خلطوا عملا حسنا وآخر سيئا.

القسم الرابع:  هؤلاء الذين امتهنوا الفساد ـ موظفون أو مؤسسات ـ ظلوا يمتصون دم الدولة  وأقاموا إمبراطوريات مالية على حساب الدولة  حتى أصبحت مصالحهم الضخمة  تفوق مصالح الدولة التي بدت ضعيفة  غير آبهين بها  صلحت أو فسدت!

في هذا السياق  فإن المثل الحساني يقول : « خَلِّيهْ إِلَيْنْ يَكْبَظْ صَاحْبُ »!

وفي ما يبدو لي فإن خير سند  لكم  والذين يمكن الاعتماد عليهم في هذه المرحلة بالذات، هم هؤلاء الذين حاولوا محاربة الفساد وتحقق لهم النجاح  أحيانا  والفشل أحيانا أخرى ثم هؤلاء الذين لم يساهموا  لا بالصالح ولا بالطالح… أما الآخرون  فعسى أن يتوبوا  فيتوب الله عليهم، عندها يمكن ضمهم إلى من يمكن الاعتماد عليهم.

هؤلاء الذين أقاموا إمبراطورياتهم المالية  وثراءهم الفاحش على حساب فساد وخراب الدولة  يجب التصدي لهم وقطع الطريق عليهم سدا للذريعة وعبرة لمن يعتبر! هؤلاء لا يرجون صلاحا للدولة  بحال من الأحوال، لأنهم كما أسلفنا  أقاموا بنيانهم في بيئة الفساد  ولا يمكنهم العيش  إلا فيها !

بالنسبة للحاضر فالواضح أمامنا أن أهدافكم نبيلة وتحظى بالرضى والقبول لكن ما يجب تحاشيه  هو عدم حساب المخاطر المحتملة وكيفية تحاشيها مستقبلا! لاشك أن من أهداف الحركة  خلق مؤسسات ديمقراطية  وانتخابات ديمقراطية وإرساء العدالة وإحلال الشفافية والحكم الرشيد … وقد اتخذ المجلس إجراءات منها  الحد من مدة الرئاسة والتناوب والتشاور  والوفاق.

هذه الإجراءات المؤدية لتحقيق الأهداف لا تكفي للوصول  لتحقيق الأهداف المرجوة وسنعود لا حقا لهذه النقطة والذي نحن بصدده الآن هو أن مرحلة التحول تعتبر ارتحالا من مكان لآخر… تماما كارتحال  أهل البادية الذي تعترضه المعوقات التالية:

أولا نجد مقاومة للارتحال

ثانيا  عندما يتقرر الوفاق  على الرحيل يظهر معوق آخر  كميل الأمتعة على المراكب  علاوة على ضعفها

ثالثا هو عدم  التوافق على المكان الآخر المرتحل  إليه … أخيرا يحدث  ما نطلق عليه « بالحسانية الرحل  مثنية » ونعود من حيث بدأنا!

في الخطر الأول  وكإسقاط مثالي ففي ما هو واضح فإن كل الموريتانيين  موافقون على الرحيل من  » وضعية لأخرى »… لكن من المفضل اقتناع  المجتمع  بأسره بحتمية « الرحيل » ووجوب التحلي بروح  « الرحيل » حتى لا نفاجأ بمشاكل اللحظة الأخيرة ونضطر للبقاء أو تأجيل الرحيل، أو حتى لا يبقي أحد عن الإجماع…

في الخطر الثاني ففي الحقيقة فإن المتاع الذي قلنا إنه « مائل » كناية عن تأثير الماضي وهذا ما دفعنا لاقتراح ضرورة  المساواة بين الفاعلين السياسيين  منذ البداية علاوة على ذلك فإن وسائلنا  » جمالنا » أحزابنا  ضعاف  ونحيفة من أثر جفاف زمن الحزب الجمهوري والنظام السابق  أما الجمهوري  الكبير الذي بدا وكأنه كان يملأ  الساحة السياسية ظهر أن حجمه الضخم لم يكن يعبر  عن قوة حقيقية  بل  « خليط من السمنة وأوراق » لهذا تعثر  عند أول تحدي وأصبح فراغا  في فراغ  بعد أن مهد لئلا يحيط به  سوى الفراغ!

لكن وبمزيد من الجدية  فإن الخطر الأكبر يتمثل عند « النزلة » ففي حالة  إجراء الانتخابات  خاصة  الرئاسية منها  وقالت بعض الأطراف أن النتائج يجب أن تلغى، في هذه  الحالة ماذا يتوجب علينا فعله؟ هل نعيد الانتخابات وتكون بالتالي « رحلة مثنية » أو يقوم المجلس بفرض النتائج؟ وهذا ليس من الديمقراطية  أو يضطر عندها العسكريون في البقاء  أو تمديد مدتهم بدلا  من الانسحاب  عند اكتمال  المهمة؟ أو ينسحبون  ويتركون الساحة  موزعة  بين قابل للنتائج ورافض لها؟ هذه التساؤلات  يجب أن تطرح ويبحث فيها  ونجد الإجابات عليها…

والتساؤلات المشار إليها واردة قطعا، لأسباب أهمها هو أن التناوب وقبول الهزيمة ونسبية النجاح لدى الناجحين  قيم ديمقراطية لم تترسخ في ثقافتنا السياسية… فالديمقراطية تتطلب التحلي بالروح  الرياضية

ثانيا فإن وزن الأحزاب  لم يحدد بشكل واضح  كما هو معمول به في الدول الأخرى بحيث يكون معلوما وزن كل حزب وما يمثله في الشارع  وحجم الكتلة  التابعة له…

ونحن بصدد بداية لمرحلة ديمقراطية شفافة لاشك ستأتي بما لا يشتهيه هذا الحزب أو ذاك.  فمن يوسوس لهم الشيطان  أوهاما بحجم ما أو قدرة ما  أو… أو… مما لم ينزل الله به من سلطان في النهاية يصطدم هذا الحزب أو ذاك بالنتائج الحقيقية ومن هنا يبدأ الرفض والاحتجاج.

ثالثا الديمقراطية تتطلب قبول البدائل ولكي تطبق هذه الفرضية يجب أن يتحلى الناس بالثقة في الآخر… بمعنى أن عدم الثقة  تولد لديهم رفضا لقبول فكرة صلاحية تولي غيرهم للمسؤولية… في الحالة الموريتانية فإن  رفض قبول الآخر يولد إحساسا لدى البعض بأن الآخر لا يستطيع أن يمسك مقود السفينة وأن هذه السفينة آئلة للغرق لا محالة طالما قادها غيرهم !

من جهة أخرى فإن  قضية الانتخابات والسلطة لم تتعد في فكرنا لمسألة ممارسة السلطة وحلاوة التسلط  دون البحث أو حتى التفكير في المسؤولية والثمن وعدد الأطر  وغيره ممن يسيرون  أعمال الدولة… موريتانيا تفتقد العدد المطلوب… البعض ينظر للسلطة على أنها « كعكة » لا يجب أن يشاركه طعم حلاوتها أحد … في حين لو فكر هذا البعض في كونها مسؤولية وعبئا لأقر باحتياجه لمشاركة الآخرين له في تحمل تلك المسؤولية  وهذا العبء الثقيل!

هناك سبب آخر وهو أن كل جديد من أفراد أو أحزاب أو غيره يحس بنوع من الطفولية والنرجسية  في آن واحد… وهذا يقودنا نحو انتخابات مرفوضة من البعض سلفا وقد تؤدي لنوع من عدم الاستقرار أو الفوضى… ففي المراحل السابقة حيث كان الحزب الواحد والسلطة الانفرادية  لم تكن الناس تأبه لجدية الانتخابات أو نتائجها من عدمها… وهذا لا يزال واقعا في إفريقيا بصفة  خاصة ومنذ أن هبت عليها رياح الديمقراطية…

إذن يجب تحاشي هذا الخطر الداهم والمتمثل في عدم إعطاء  المصداقية للعملية الانتخابية ولهؤلاء الذين  سوف تنقل لهم مقاليد السلطة!

هذه المشاكل مطروحة بالنسبة للقسم الأول من الانتخابات والتي سوف تجري في المرحلة الانتقالية الحالية  أما القسم الثاني  من الانتخابات  أي بعد  خمس  سنوات من انتهاء المرحلة الانتقالية فإن هذه الإشكاليات نفسها مطروحة مضافا إليها إشكالية أخرى وهي أنه في حين تم تعيين رئيس الجمهورية يظهر حزب أو مجموعة أحزاب أغلبية، ومعروف ضرورة أن العقليات لا تتغير بين عشية وضحاها، عندها من يضمن عدم انكباب وهرولة الناس باتجاه هذا الرئيس وحزبه الذي يحكم من خلاله؟ وبالتالي  فمباشرة بعد 2007 عند ظهور رئيس مفترض يؤيده حزب ما فإن الناس ستندفع نحوه وعندها نعود كما بدأنا أول مرة  وهذا ما يقال له « الرحلة المثنية »! علاوة على ذلك فإن الرئيس والبرلمان وحكومته هم الذين سيكون عليهم تنظيم الانتخابات ولديهم السلطة وأموال الدولة والوظائف وكل وسائل الترغيب والترهيب…  وقد أعطتهم الناس ولاءها كما هو متعارف عليه منذ عشرات السنين ولم يتغير  فيه شئ… عندها هل سيعود الجيش من جديد لانتزاع السلطة ونبدأ معه مرحلة انتقالية جديدة! أم سيكون مفروضا علينا ساعتها الصبر والانصياع لسلطة ليس فيها سوى رئيس واحد وحزب واحد …إلخ! وهذا ما يقال له « الرحلة المثنية ».

في ما يظهر لنا وفي ما رأينا من الإجراءات التي اتخذت  في ما يتعلق بالنصوص والإجراءات  أنه لو كانت الديمقراطية تطبق بقرار لكان ذلك كافيا غير أن الديمقراطية لا تأتي  بقرار  وبالتالي فهذا غير كاف!

بالنسبة لي هذه المرحلة الانتقالية يجب  أن تشكل فرصة لطرح أسس لنصوص جديدة كما يجب أن تكون مرحلة تمهيدية  وتجريبية في إطار  ثورة ثقافية  على نمط يناسب الحالة الموريتانية .

وذلك من خلال تأسيس « حوار وطني مستمر مؤطر ومؤمن من طرف المجلس العسكري  للعدالة والديمقراطية » . هذا الحوار الوطني يتم انعقاده في قصر المؤتمرات  بالعاصمة وكذا في كافة ولاياتنا الداخلية يوميا بعد دراسة كل متطلبات وشروط وآليات  انعقاده. تطرح من خلاله مواضيع سياسية، ثقافية، اقتصادية وحضارية، تتعاطى من خلاله كافة القوى ممثلة  في الناس كافة وهناك جلسات حوار للمتخصصين.

وهذا من شأنه أن يشكل فرصة التقاء  لكافة الموريتانيين لتبادل الآراء بعد فرقة وقطيعة استمرت لحوالي خمسين سنة . فإن هم أرادوا تطبيق وممارسة العمل السياسي بشكل ديمقراطي يجب عليهم الالتقاء هذا شرط أساسي.

فهذه الفكرة… أو جلسات الحوار الوطني تؤطر لمضمون الالتقاء بالآخر وتسمح لهم بإبداء آرائهم بكل حرية والتنافس على طرح الأفكار  وكما يقال إذا تزاحمت العقول خرج الصواب.

ولا شك فإن المرحلة الانتقالية توفر لنا فرصة ذهبية لضمان الأمن والأمان  بسبب المظلة التي يوفرها  المجلس العسكري في هذه المرحلة!

هذا الحوار الوطني المستمر  سوف يتعرض للبحث والإجابة على التساؤلات  التي طرحناها آنفا كما أنه سيطرح تساؤلات أخرى  منها ما يجب علينا فعله كي لا تتكرر أحداث 89 و91 وما نجم عنهما؟

كيف يجب أن تكون سياسة موريتانيا الخارجية  وما هي سياستنا الاقتصادية  وكيف يجب أن تكون؟

وغيرها من التساؤلات التي لا شك أنها ستؤثر بإيقاظها للعقول والضمائر الوطنية الموريتانية، ستثري الأحزاب  السياسية والوطنية وحتى المرحلة الانتقالية  ستبدو بالمنظور  التاريخي أكثر ثراء وحيوية.

من جهة أخرى وبالنظر إلى ما حدث في الأيام التفكيرية التي جاءت فيها  مواضيع البحث من القمة  للقاعدة… فإنه في حالة الحوار الوطني المستمر ستأتي مواضيع البحث  من القاعدة مما يتيح فرصة التعبير  للكل عن كل شئ.

التشاور المستمر حول  تفعيل مسلسل المرحلة الانتقالية .

الأيام التشاورية التي انعقدت جاءت حول المبادئ والخيارات أما تفعيل المبادئ والخيارات فتأتي بطريقة ديمقراطية أو غير ديمقراطية، ويمكن لاستراتيجية التفعيل  أن تنجح أو تفشل، ونحن في موريتانيا نميل  إلى الفلسفة  والمبادئ أكثر من ارتباطنا بالعملية والممارسة .

عملية التفعيل يجب أن تحرك المبادئ والخيارات المطروحة نحو أرض الفعل والتحقيق.

وفيما رأينا من كل ما نتج عن الأيام التفكيرية فيما  يخص « التفعيل » وجدنا تقديرات لم تمس التفعيل بشكل علمي يحدد  المهام والمسؤوليات ويبرمج لها. خاصة وأن المبادئ والخيارات مسائل ثابتة أما تفعيلها فيخضع لعوامل ديناميكية تتطلب المشاورة الدائمة والمراجعة الدائمة.

ثالثا: التعايش يجب أن يسبق  التناوب

التعايش  هو أن يكون هناك برنامج موحد تشارك فيه الأحزاب بحسب أحجامها السياسية والانتخابية . مرحلة التعايش هي مرحلة بين مرحلتين  التناوب والحزب الواحد… فوائدها هي حشد كل الجهود للعمل الجماعي، وكل من يجد فيها  لنفسه دورا يبقى في مكان(حزبه) في حين لو افتقد هذا الدور سيهرول نحو حزب الدولة  المسيطر على كل شيء، كما ستتاح للجميع الفرصة للعمل معا مع احتفاظهم بخصوصياتهم  لكن مع التعود على العمل الجماعي بوعي تام بما يفرق بينهم وما يجمع بينهم هذا كله يهيئ  لمرحلة أخرى هي مرحلة قبول التناوب على السلطة.

وتجدر الإشارة للمجلس العسكري بان الحيادية لا تعني اللامبالاة وبالتالي يمكن للمجلس أن يعتمد  الحيادية شرط إيجاد نظام قابل للحياة والاستمرار وهذا لا يمكنه الحدوث دون عقد الحوار الوطني المستمر والموسع  والذي منه ينبثق نظام صالح ومستمر.

ولتهيئة مناخ ملائم لانبعاث هذا التعايش ، ففي  مرحلة أولى وتحت الإشراف المباشر للمجلس العسكري يطلب من كافة الأحزاب تقديم برامجهم، ثم  تتم دراسة هذه البرامج واستنباط برنامج أو مشروع مجتمعي منها جميعا. ثم تؤخذ هذه البرامج فرادى ومعها البرنامج الوطني المشترك ويطرح الجميع  للاستفتاء تماما كما سيفعل مع الدستور، وهذه الآلية  ستوضح مدى استجابة الجماهير  » نسبيا » مع البرنامج المشترك ومع برامج الأحزاب كل على حدة ، وبالتالي ستتضح للجميع أوزان وأحجام الأحزاب ، ومدى قابلية البرنامج المشترك للتطبيق وسوف يسمح هذا الإجراء بإيقاظ الوعي الوطني  لدى الناخبين وإثراء ثقافتهم السياسية وتدربهم على التصويت على برامج سياسية وليس لأفراد  بعينهم . كما أنه سيهيئ كل حزب  لتقبل الحقائق  على أرض الواقع  من خلال  عدد الأصوات التي سيحصل عليها وستتهيأ الفرصة لتنشيط الآلة الانتخابية !

كما ستؤشر نتائج هذا الاستفتاء على مدى مصداقية البرنامج المشترك الذي طرح على الجماهير لتقول كلمتها فيه… ففي حالة ما إذا ظهرت شعبية كبيرة للبرنامج المشترك ساعتها يمكن مطالبة الأحزاب بالتوافق حول تطبيقه وقد علم كل منهم وزنه بصورة فردية، وبالتالي يمكنه المشاركة في البرنامج المشترك بنسبة « وزنه »!

عندها يصبح الرئيس ملزما بهذا البرنامج. أما البرلمان فلكل حزب  مقاعده فيه  بحسب ما حصل عليه في الانتخابات  البرلمانية وعلى الرئيس  عند العمل بهذا البرنامج  أن يشرك الأحزاب في الحكم كل بحسب وزنه الذي ظهر  للجميع سابقا!

هذا في تصورنا يمثل « الوصفة » الديمقراطية التي يمكن  أن تليق بالحالة الموريتانية الراهنة… فلا نحن نعيد التجربة الماضية  بكل سلبياتها، ولا نحاكي في نفس الوقت ما يطبق في الديمقراطيات الفرنسية أو الإنجليزية  وإنما نستنبط من وحي تراثنا وحضارتنا وخصوصيتنا  ما يمكن أن نطبقه  وما يمكن أن يكون نموذجا يحتذى به لمن يرغب.

هناك هدف آخر للاستفتاء  على برامج الأحزاب  والأحزاب من نفسها، فتلك التي لا تحصل على  نسبة مئوية معقولة وبالتالي تشكل عبئا وعدم صلاحية بل ويمكن أن تخلق مشاكل في المستقبل، هذا النوع من الأحزاب يجب حله مباشرة… فإن مما يجعل النظام الديمقراطي غير فاعل هو كثرة الأحزاب الورقية التي تفتقر للمصداقية  ولا صدى لها في الشارع السياسي.

اقتراح أخير، لضمان استمرار الأهداف التي من أجلها  كانت حركة 3 من أغسطس، أي ضمان العدالة والديمقراطية والحكم الرشيد، ولضمان عدم التلاعب بالدستور والنظام المتوافق عليه من الجميع، ولضمان عدم تكرار سيناريوهات  الانقلابات وغيره…

فالمقترح يقضي بتشكيل  » لجنة دائمة لمراقبة ودعم المسيرة الديمقراطية  في موريتانيا » تشكل أساسا من أعضاء  مجلس 3 أغسطس  العسكري وقادة أركان الجيش والأمن ومعهم الأحزاب  وشخصيات أخرى من المجتمع المدني  والهيئات الدولية.

ومن شأن هذا أن يجعل هناك تشاورا  مستمرا  بين المؤسسة العسكرية الموريتانية من جهة والسياسيين الموريتانيين والشركاء في الخارج.

وقد يقول البعض أن هذا الوضع ليس موجودا في مكان آخر من العالم… بلى هذا النموذج موجود  لكن الفرق بين الطرح الموريتاني للفكرة وما هو موجود في مكان آخر من العالم هو أن تلك الدول التي طبقت هذه الفكرة طبقتها بعد أن مرت بسنوات طويلة من الصراعات السياسية  الداخلية والحروب الأهلية والدمار مما جعلها تركن لهذا الخيار في نهاية المطاف.

أما في الحالة الموريتانية فالوضع مختلف فهذه فكرة وطنية أملاها الحس الوطني والشعور العام بضرورة اللجوء إليها لتفادي ما قد يؤدي إلى عدم استقرار أو فوضى وتبقى دائما الوقاية خير من العلاج.