Catégories
استشارات لرؤساء الدول

الحزب الحاكم والحكم الرشيد الديمقراطي تفعيل برنامج الرئيس المنتخب

الحزب الحاكم والحكم الرشيد الديمقراطي تفعيل برنامج الرئيس المنتخب

Saharamedia، 28 نوفمبر 2007

منذ سنة 2003 والموريتانيون مجمعون على أن تغيير النظام لا مناص منه، ويتساءلون عن من هو الرئيس المقبل. فالبعض فكر في العنف كوسيلة، والبعض الآخر فكر في الانقلابات العسكرية. بينما يرى آخرون أن الحلول الديمقراطية هي البديل الأمثل.

لكن السؤال المركزي يتعلق بالرئيس المقبل ومن سيكون ؟ وما هي الشخصية الحرية بارتقاء السلطة؟

إلا أن الأسباب التي تكمن وراء أهداف التغيير والبرامج المقترحة غابت عن أنظارهم بعد ذلك.

وفي هذه الفترة، لم يتحقق أي إنجاز ولم ير النور أي إصلاح!!

ووقع ما وقع، حيث قام الشعب بالفصل عن طريق انتخابات ديمقراطية اختار من خلالها رئيسا للجمهورية على أساس برنامج محدد لمأمورية 5 سنوات.

والآن حان وقت العمل البناء؛ وقت تحديد الكفاءات التي يمكنها أن تساهم في تحقيق الأهداف المرسومة في البرنامج، بصفة منهجية ومحكمة.

ألم يصبح من المستعجل أن نتساءل حول الاختيارات المتاحة في هذه الفترة وحول أمثل طريق للحفاظ على الديمقراطية الأصلية مع التمسك، بشدة، بالإشارات التي تنير الدرب؟؟

الاختيارات التي يمكن تصورها، في هذا المجال، ترد على النحو التالي :

  1. اعتماد تصور وبرامج أحزاب المعارضة، وذلك يخالف إرادة الشعب التي عبر عنها في صناديق الاقتراع حيث رفض هذه البرامج. بالإضافة إلى أن مبادرة كهذه تتنافى، في الأساس، مع مبادئ الديمقراطية التي تقضي باعتماد اختيار الأغلبية.
  2. ارتجال برنامج جديد، وذلك سيؤدي، بدون شك، إلى الغموض وعدم الشفافية.
  3. التمسك بموقف المواجهة، حيث تتفاقم الخلافات عن طريق مناظرات هي أقرب إلى السلبية والاستمرار في الدوران.
  4. التوجه، بحزم، إلى العمل البناء بهدف إنجاز برنامج الرئيس الذي اختارته أغلبية الشعب، احتراما لمبادئ الديمقراطية، بصفة شفافة، مع التمسك بالشرعية.

وهذا هو الاختيار الوحيد الذي تمليه الديمقراطية والنظام الجمهوري للدولة، إذا ما كنا نريد إنجاز شيء إيجابي وملموس، في بلدنا.

وعلى كل حال، يظل العمل الملموس والمحسوس الذي يطبع حياة الأمم والشعوب، بصفة حقيقية ودائمة، هو الأهم.

فالشرعية تعتمد على اختيار الأغلبية. وأي توجه غير ذلك يشكل خرقا للالتزامات التي نأخذها اتجاه الشعب.

ويمثل البرنامج الانتخابي خارطة الطريق الوحيدة للذين يساندون المأمورية الرئاسية الحالية.

وعليه، يجب توحيد الجهود بغية ترجمة هذا البرنامج إلى الواقع.

تظل معرفة هذا البرنامج، بصفة دقيقة، في عمومياته وتفصيلاته، شرطا مسبقا لكل مبادرة تهدف إلى امتلاكه والدفاع عنه.

ويتعين على كل واحد منا أن يتبناه ويترجمه في أعماله وتصرفاته على المستوى النظري وكذا العملي بغية ضمان تفعيله وفقا لخصوصيات الزمان والمكان.

وفي إطار إنجاز هذا البرنامج، يمكن للمعارضة أن تلعب الدور المنوط بها في ظل النظام الديمقراطي : هذا الدور مهم جدا ولا غنى عنه ويجب أن تلعبه عن طريق النقد البناء والرقابة عن قرب لعمل الحكومة مع الاستعداد في الوقت المناسب لتقديم بدائل لاقتراع الناخبين.

إن الديمقراطية، هي أساسا، وبصفة مطلقة، إمكانية التناوب على السلطة.

وإن التناوب في مجال السياسة يماثل التنفس بالنسبة لجسم الإنسان. فنحن نخرج الهواء ثم نسترجعه لنتنفس! ونحن في موريتانيا في حاجة إلى إخراج الهواء لنتمكن من استرجاعه!!

وبعد مرور الفترة الانتخابية، يجب على المعارضة التحلي بالمسؤولية في مجهود البناء الوطني، وبالتالي إثباتها لدى الجميع أنها تستحق ثقة الشعب.

ويتعين على الأغلبية بعد تحديد الاختيارات، توجيه جهودها وكل الجهود، قصد إنجاز برنامج الرئيس.

بهذا تتكاتف – دون أن يحصل اللبس – جهود الطرفين (الأغلبية / المعارضة)، خدمة للوطن ولمصلحة الشعب من أجل مزيد من التقدم.

ولا تخلو البرامج المتنافسة من نقاط مشتركة تمثل فضاء للقاء بين الطرفين.

وإنه من غير المفيد بل من باب الفساد وعلى كل حال من غير المسؤول، أن نبقى بصفة دائمة في جو « الحملة الانتخابية والتجريح »، في الوقت الذي يتعين علينا اتخاذ مواقف هادئة وبناءة.

كما أن هذه الظرفية تظل، أيضا، فرصة سانحة لإبراز إمكانيات تاريخية حقيقية كافية لبناء الأمة على أسس سليمة سياسيا واقتصاديا وثقافيا.

إن الرغبة الصادقة في المساهمة عن طريق التفكير البناء في وضع التصور الذي تتطلبه المرحلة الراهنة، وكذلك في تقاسم الآراء حول القضايا التالية:

  1. الدراسة والتفكير بغية المساهمة في البحث عن أمثل الطرق لإنجاز البرنامج الذي اختارته أغلبية الشعب الموريتاني، بصفة ناجعة وفعالة.
  2. تحديد العقبات التي تعترض السبيل أمام تنفيذ هذا البرنامج وتعرقله. وهذه العقبات تتجسد فيما يلي:
    • هناك عوامل ذاتية لا تتطلب إلا مجهودا تعبويا للتغلب عليها؛
    • كما أن هناك عوامل موضوعية قد تكون ظرفية مثل الكوارث الطبيعية والزلازل الغير متوقعة وتتطلب معالجة خاصة تتناسب مع كل حالة (مثال فيضان الطينطان، مشاكل الأسعار). إلا أن الحلول الهادفة إلى تسوية المشاكل العارضة يفترض أن لا تعرقل المسيرة العامة ولا تنفيذ البرنامج.
  3. هناك تفكير سليم ومتأن لوضع القواعد الضرورية لتنظيم الساحة السياسية.

هذا التفكير يجب أن يتوجه نحو البحث عن الحلول المقبولة للمشاكل السياسية ويجب أن تعبأ عليه الأغلبية والمعارضة على حد سواء.

  1. تحديد نقاط التلاقي بين مختلف مكونات المحيط السياسي لتفادي الخلافات القصوى ومصادر التوتر.

وإننا ندعو كل الذين يهتمون بالديمقراطية الناشئة في هذا البلد، إلى تبادل الآراء وإلى الحوار البناء.

إن بلدنا يمر بمرحلة حرجة، مرحلة صعبة. وعليه فإننا بحاجة إلى أن نلتقي ونتبادل الأفكار بغية إثراء المناظرة الوطنية.

لنا أن نسير إرثا ثقيلا يتمثل في تراكم جملة من المشاكل ظلت بلا حلول.

ويتعين علينا أن نقوم بمعاينة هادئة حول الوضع ونستكشف الإمكانات المتوفرة خلال هذه المأمورية، ونطرح المشاكل، بصفة واضحة، ونقترح الحلول النظرية ونتأكد من قابليتها للتنفيذ وندعمها.

طبعا نحن لا ندعي أننا نملك الحقيقة بصفة مطلقة، كما لا ندعي احتكار الأفكار السليمة.

ويبقى همنا الوحيد هو المصلحة العامة.

ونود أن نقول، بلسان فصيح، للمثقفين والأطر والمواطنين النزهاء في هذا البلد، إن الوقت لا يسمح بالتراخي ولا بالانتظار ولا باللامبالاة ! !

منذ تطبيق التعددية الحزبية في بلادنا، دأب الناس على الانخراط بكثرة وبصفة شبه عفوية ودون تفكير معمق، في الأحزاب الموجودة على الساحة السياسية.

و اليوم يستحسن أن نعطي بعض الوقت للتشاور والمراقبة والدراسة قبل الانخراط في أي حزب سياسي دون التأكد من تعلقه بالمبادئ الديمقراطية الأساسية واحترامه للعبة الديمقراطية.

هذه هي قناعتنا الراسخة وأي عمل نابع من قناعة صحيحة لن يكون إلا إيجابيا خاصة إذا تلته مباشرة نشاطات ملموسة.

ونحن إذ نقوم بهذا التفكير الأولي، نرغب في إعداد تقرير واف وشامل، ما أمكن، حول الوضعية في هذه المرحلة  وخاصة حول بعض الأحداث الراهنة التي لها تأثير بديهي على مستقبل الأمة.

– انتخاب رئيس الجمهورية! ! :

نذكر بأن الانتخابات الأخيرة التي آلت إلى انتخاب رئيس الجمهورية، تمثل مصدر عز وارتياح في الوقت الذي فقد فيه الشعب منذ زمن بعيد، هذا النوع من المشاعر الطيبة.

فالمؤسسة الرئاسية، طبقا للدستور، تحتل مكان القمة في الهرم المؤسسي.

ورئيس الجمهورية هو رئيس الموريتانيين جميعا؛ وهو ليس من الوجهاء المحليين ولا من رؤساء القبائل، ويجب أن نساعده على أن يبقى رئيس جميع الموريتانيين بدون استثناء.

نحن نعمل على أن لا يتمكن أي حزب من أن يأخذ الرئيس رهينة، خاصة أنه ليس مرشحا لأي حزب.

وعلى كل حال، لا يسمح نظام الاقتراع السري المعمول به لدينا بمعرفة من صوت لمن. وعليه، فإن الرئيس، عندما يتم انتخابه، يصبح رئيسا للموريتانيين جميعا.

كما أن الرئيس لا ينتخبه النواب وإنما الشعب هو الذي ينتخبه بصفة مباشرة. وإن دعم أحد النواب لأحد المرشحين لا يضمن، بالضرورة، انضمام ناخبيه لهذا المرشح والعكس بالعكس.

إذا، الرئيس رئيس الجميع وكل واحد منا ملزم بمساعدته على إنجاز برنامجه وبتفادي كل ما من شأنه أن يعرقل تنفيذ هذا البرنامج.

ويجب على المعارضين أن يعلموا شيئا: إن الرئيس هو أيضا رئيسهم وأنهم ملزمون باحترام مؤسسات بلدهم.

وطالما أننا لم نستوعب، بما فيه الكفاية، المثل والأخلاقيات التي تفرض احترام مؤسسات الدولة، فإننا قد نحظى بأفضل رئيس وأسوء نظام مما يفتح الباب على مصراعيه أمام كل أنواع الشياطين المدنية والعسكرية التي لن تتردد في إفشال المشروع الديمقراطي.

– انتخاب رؤساء الغرف البرلمانية.

لايسعنا إلا أن نهنئ أنفسنا للظروف التي تم فيها انتخاب رئيس الجمعية الوطنية ورئيس مجلس الشيوخ والإجماع الذي مكن من ذلك.

فالإجماع ميزة بارزة من ثقافتنا ومن حضارتنا.

والإجماع يكون دائما أفضل من التصويت حتى ولو كان التصويت ديمقراطيا وشفافا. ونحن نسعى من أجل الاستقرار البرلماني الذي يترجم، في الواقع، استقرار المؤسسات الدستورية برمتها.

– تشكيل الحكومة

نذكر، بادئ ذي بدء، بأن السياسة والذين يمارسونها، يخضعون للتطور ولتقلبات الحياة. حيث يعرفون، بصفة منتظمة، مراحل صعود ومراحل هبوط وكذلك فترات نجاح وفترات فشل، بالإضافة إلى أوقات تتسم بالإحباط وأخرى حافلة بالانتصارات، ناهيك عن تناوب الأدوار الذي يظل الرجل السياسي أو المرأة السياسية ملزمين بها في الظروف الخاصة بكل زمان.

كما أنهم يعرفون أيضا الميلاد السياسي والحياة السياسية والموت السياسي. فعلى سبيل المثال : عندما تمت الإطاحة بالرئيس المختار ولد داداه (رحمه الله) انسحب هذا الرجل تماما هو ووزراؤه من السياسة لمدة طويلة بينما تصر اليوم بعض الشخصيات ذات التجربة الوزارية أو الرئاسية الحديثة على أن تعود إلى سدة الحكم، مستمرة في رفضها مبدأ قبول التناوب. فهذه الشخصيات إذا ترفض التناوب ولا تعترف للآخرين بحق ممارسة السلطة التي لم يستطيعوا تناسيها معتبرين أن الحداد عليها لم ينته بعد.

صحيح أن من بينهم من ساند الرئيس في حملته إلا أنه صحيح أيضا أن بعضهم له ماض لايزال ماثلا في ذاكرة الشعب، بصفة حادة، والأسوأ من ذلك أن بعضهم يبرر طموحه في العودة انطلاقا من تجربته. وأي تجربة كانت هذه؟؟

إن إيداع المسؤوليات يفرض وجود « شهادة تبريز نقية »؛ يفرض أن لا تكون لمن يرغب في ارتقاء المناصب، سوابق اقتصادية أو مالية ولا سوء تدبير ولا سوء تسيير.

تتعرض الحكومة الحالية إلى العديد من الانتقادات حيث يؤخذ على أعضائها عدم التجربة في إدارة شؤون الدولة.

إلا أن هذه الانتقادات صادرة عن بعض أصحاب « التجارب » الذين كان الأجدى بهم، وهي مكانهم الطبيعي، الوقوف في الخلف، والتأمل في المساجد، وطلب التوبة، أو المحاكم والمحاكمات أو … ! !

وفي المقابل، يوجد من بينهم رجال نزهاء نظيفون ويتمتعون بتجارب ناجحة يحق للبلد الاستفادة منها.

فكلمة « قديم » ليست مرادفة لسيئ وكلمة حديث لا تعني بالضرورة جيدا.

يعتبر وجود أوجه جديدة جدا في الحكومة يمثل رغبة في التغيير تستحق الاحترام في ذاتها، وتبقى معايير الكفاءة والنزاهة والمقدرة على إنعاش فريق فعال داخل كل وزارة هي وحدها التي يجب أخذها بعين الاعتبار.

– فيضان الطينطان :

تظل الكوارث الطبيعية ظاهرة عادية وتحدث عادة، بصفة مفاجئة، دون أن يستطيع الإنسان توقعها. وهذا هو الحال في العالم بأسره وفي موريتانيا أيضا.

طبعا، يجب على الدول اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة الكوارث الطبيعية، عند الاقتضاء.

ومع الأسف لم تعد موريتانيا مؤهلة لمواجهة هذا النوع من المشاكل إلا أن كارثة الطينطان كانت سانحة للتعبير عن روح صادقة للتضامن الوطني والدولي الذي يمكنه أن يخفف من آثارها إذا ما تم تسيير الموارد الممنوحة، في هذا الإطار، بصفة مرضية.

ولم تتوقع الإدارة هذه المشاكل إذ لم تبوب عليها في برامجها.

فالإدارة المركزية بعيدة عن الواقع والقضايا الساخنة، والإدارة الإقليمية ليس لها تقليد ولا ثقافة ولا وسائل لمعالجة مشاكل من هذا الحجم.

وعليه، فإننا نقترح إنشاء وكالة متخصصة لتسيير هذا النوع من الكوارث وتعيين مفوض سام أو وزير عليها، مع الاعتماد على دراسات استشارية وخطط عمل ذات مصداقية.

ويلزم تفتيش هذه الوكالة كل فصل وكل سنة عن طريق مكتب دولي يسلم تقاريره  للرئيس بصفة مباشرة. ويتعين على عمال هذه الوكالة ورؤساءهم، الإقامة في البلدة المتضررة بغية العمل على أرض الواقع.

وبهذه التدابير يمكن تسيير الكوارث الطبيعية، بصفة فعالة، دون الوقوع في فضائح مالية أو غيرها[1].

ونغتنم هذه السانحة لنلفت الانتباه إلى خطر آخر وهو خطر الحرائق حيث يجب اتخاذ الحيطة القصوى بغية ضمان أمن 500 خيمة والعمل على وقايتها من خطر كارثة إضافية.

– مشكلة المخدرات

إن المخدرات، لا شك، من أخطر المشاكل التي عاشتها البلاد منذ عهد الاستقلال.

فتجار هذا السم استغلوا الطائرات (انواذيبو) بعد أن استخدموا كل الوسائل الأخرى. وإن مستوى المهنية والوسائل التي وظفها هؤلاء المهربون، يبين، بجلاء، أن الممارسات التي يقومون بها في هذا البلد، قديمة جدا.

ونذكر بأن المخدرات مجال واسع تلتقي فيه السياسة والاقتصاد والخارج.

إن المخدرات تشكل تهديدا حقيقيا لأمن البلاد واقتصادها وتدفع بالمجتمع إلى الجريمة، ناهيك عن تشويه سمعة البلد.

وتجدر الإشارة، هنا، إلى أن تطور تجارة المخدرات يندرج في إطار الليبرالية الوحشية إن لم نقل العمياء التي تم إتباعها منذ بعض الوقت والتي أدت إلى خلق ما يسمى بالاقتصاد الغير مصنف على حساب الاقتصاد المنظم.

ففرق « المافيا » التي يتكون عبرها الاقتصاد الغير مصنف، تتخذ مبدأ «الكل مباح والكل ممكن» مطية لممارسة تجارة المخدرات وتبييض الأموال، كما يحلو لها، دون أن تخشى أي عقوبة.

ويصبح من المستعجل إعادة النظر في تنظيم الاقتصاد وإعادة تأهيل مؤسسات الدولة، بصفة أكثر فعالية وشفافية.

– الخوصصة :

تعتبر المؤسسات العمومية، منذ بعض الوقت، امتيازات خصوصية تمنح للقائمين عليها. ولا يخضع تسييرها، عادة، للممارسات والمقاييس السليمة المعمول بها.

ولا تخضع هذه المؤسسات التي أصبحت حكرا لبعض الأشخاص، للرقابة ولا يخشى القائمون عليها، أية عقوبة.

ونقترح تنظيم ملتقيات بمشاركة خبراء مستقلين من جميع الأحزاب السياسية ومؤسسات الدولة للتبادل حول وضعية هذه المؤسسات انطلاقا من المعلومات المتوفرة.

وبهذه الطريقة، يمكن تصنيف الوضعية، بصفة موضوعية، بغية اقتراح الحلول المناسبة بكل شفافية. ويجب استخدام كل وسائل الاتصال للإسهام في إبلاغ أكبر عدد من الناس حول ما توصلت إليه هذه الملتقيات من ملاحظات وتوصيات هادفة.

ويمكن إذا لصاحب القرار أن يتخذ الإجراءات اللازمة عن بينة.

وستعطي الحلول المبنية على آراء الخبراء والمتخصصين والتي يتم تقديمها إلى الشعب، نتائج إيجابية، لا محالة.

هذه الطريقة تسمى الديمقراطية الاقتصادية التي لم يعرفها البلد قط.

وبدون الديمقراطية الاقتصادية تظل الديمقراطية السياسية ديماغوجية وتخديرا للشعب.

والتاريخ يعلمنا أن البلد قد نما بصفة طبيعية طيلة العشرين سنة التي تلت عهد الاستقلال دون اللجوء إلى الليبرالية العشواء ولا مركزية الدولة المفرطة للاقتصاد.

إلا أنه، شهد بعد ذلك تباطأ، وأحيانا تراجعا، نتيجة اعتماد نظام بدون اسم (الليبرالية عبارة متداولة ولكنها ليست مناسبة) مع ما يرادفه من سوء التسيير والفوضي وعدم العقوبة الذي طال جميع مناحي الحياة الاقتصادية، في قطاعات الدولة.

أما فيما يخص خوصصة المؤسسات العمومية، دعونا ندرس الوضعية الحالية قبل أن نقترح البدائل الممكنة للخوصصة.

يعرف البعض أن نجاح أي شخص موريتاني في مجال المال والأعمال ينعكس إيجابيا على  الأسرة ثم القبيلة، في مرحلة ثانية. ونحن لا نملك شركات رأس المال ولا سوقا نمالية.

وعليه، فإن كل خوصصة ترجع بالنفع إلى أسرة معينة أو قبيلة.

وبالتالي، تحصل بعض مجموعات الأسر أو القبائل على امتيازات ومكانة اقتصادية من حجم وطني، إستراتجية وجوهرية، تسمح لها أن تتجاوز كل المنافسين الآخرين بل الدولة نفسها.

هذه الممارسات لا تخدم، بالمرة، اقتصادا طبيعيا، بل تكرس فكرة الاقتصاد القبلي مع ما يترتب عليه من انعكاسات مضرة بالشعب والدولة، وتهدد كذلك الوحدة الوطنية وشعور الانتماء للأمة.

وتظل الميزة الرئيسية التي تطبع الاقتصاد اليوم هي كونه لم يعد طبيعيا على المستويين الهيكلي والتنظيمي. فما هي الحلول إذا؟

تملك الدولة وسائل، لا بأس بها، لبسط نفوذها  على المؤسسات العمومية ورقابتها، على أسس جديدة، في ظل الجو الحالي، بغية إدخال الإصلاحات الضرورية لتنظيم خوصصة ناجحة تأخذ في عين الاعتبار المصلحة العامة.

يجب ، أولا، المصادقة على قانون يحدد شروطا للخوصصة عن طريق عروض علنية لبيع أسهم المؤسسات المعنية، تسمح لأكبر عدد من الأشخاص بالحصول على أسهم ووضع سقف للمساهمين وفرض حد أدنى من الأسهم للمستخدمين في شكل مساهمات تكنولوجية أو غيرها (تصور مثلا أن مبلغ 10 ملايين من المال العمومي، يفرض تنظيم منافسة حرة تعرض على لجان الصفقات المختصة؛ بينما تم بيع بنوك ومؤسسات مصرفية عن طريق قرار شخصي في ظروف غامضة تماما!!)

وبإشراك المرتبين، يمكن إجراء تصالح بين العمال والرأسمال من جهة، وإدخال، بفضل هذه الآلية، نسبة من التمييز الإيجابي الذي أصبح، شيئا فشيئا، ضروريا لتصالح الموريتانيين مع أنفسهم ومع دولتهم، من جهة أخرى.

– حزب جديد في طريق التأسيس، في موريتانيا

نحن نشعر بالسعادة كلما وصلنا خبر بإنشاء حزب جديد فنحن نحيي كل مبادرة من شأنها أن تدمج وتشرك الموريتانيين في إدارة شؤون بلدهم.

إلا أننا دائما، كنا نعتبر أن المرور من وضعية الحزب الواحد إلى وضعية التعددية الحزبية بلا حدود، لا تخدم الممارسة الديمقراطية للسلطة، في دولة وأمة، في طور التأسيس. ولم نغير رأينا بعد.

ونرى أن 3 أحزاب تكفي للقيام بهذه المهمة في المرحلة الأولى.

فلا يجوز أن يكون عدد الأحزاب على مضمار عدد الولايات ولا القبائل ولا الأسر.

والحزب الذي يوجد في مرحلة التأسيس، قد يكون، بدون شك، من أكبر الأحزاب وقد يندمج في حزب (التجمع من أجل الديمقراطية والوحدة) من بين أحزاب أخرى.

وينبغي للأحزاب الموريتانية الأخرى أن تحذو حذوه، بغية خلق محيط سياسي مقبول، ويمكن التعرف عليها بسهولة: يمين، وسط، يسار.

وباختصار شديد، هذا ما كنا نرغب فيه. فلننتقل، الآن، إلى دراسة الوضعية الراهنة…

تظل الساحة السياسية متشتتة للغاية.

إن المرحلة الانتقالية التي قادها المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية (CMJD) التي شرعتها المعارضة، سمحت بنوع من الانفراج والانفتاح لكنها بفضل انتحال أو بالأحرى اختلاس خطاب معين تطبعه الوطنية والثورية، لم تتلها أعمال حقيقية يومية: تنويم السياسيين والشعب وتأجيل الحلول دون اقتصاد الوسائل الموجودة أو تلك التي يمكن تخيلها. هذا ما لاحظته شبه أغلبية الموريتانيين.

أما مسؤولية الرشوة المنتشرة وانحطاط الدولة والبلد، فإنها ترجع إلى الأنظمة العسكرية وامتداداتها المدنية : أحزاب الدولة، الهياكل، الحزب الجمهوري.

يعتمد كل مشروع مجتمع على ثلاثة عناصر : الأهداف – الوسائل – النتائج.

  • إن أهداف «أحزاب الدولة التي تلاحقت في فترة الأنظمة العسكرية » تضمنت أهدافا معلنة ونبيلة، كنا نتقاسمها معها وأما الأهداف الغير معلنة، نفضل أن لا نتكلم عنها إلا عندما نتناول النتائج أي حصيلة أحكامها.
  • لم تكن الوسائل ناقصة آنذاك حيث كانت توجد مصادر مادية ومالية وبشرية معتبرة، تكفي لبناء موريتانيا.
  • أما النتائج فكانت كارثة : ديمقراطية في حالة إجهاض واقتصاد منهك تتحكم فيه القبيلة والمافيا وسماته البارزة هي الفقر والبطالة والتضخم.

لاشك أن مسؤولية نظام دام 30 سنة، لاترجع إلى شخص معين.

فلنتذكر حكومة 1978 تحت قيادة الرئيس المختار (رحمه الله) الذي أسس الدولة وبنى البلد.

عندما أطيح به وزج به في السجن، اعتزل هو ووزراؤه السياسة وبقوا  نظيفين، بعيدين عن كل ما من شأنه أن يشوه سمعتهم.

ومن الغريب أن نرى، اليوم، بعض القادة يطالبون، بعد ذهابهم عن الحكم، بالعودة إلى السلطة.

ومع ذلك فإن حكمنا على رجال هذه الفترة لا بد أن يكون معتدلا.

فبعض الناس وهم يمثلون، بلا شك، الأكثرية، كانوا مرغمين إلى الانتساب لـ «الجمهوري والهياكل ولجان الانقلاب » لضمان مشاركتهم في الحياة الاجتماعية. ولو وجدوا سانحة أخرى لاغتنموها.

ونكتفي، هنا، بهذه الملاحظات احتراما للوطن وللمواطنين.

نتناول، الآن، باختصار، هذه الفترة من تاريخنا لأن المجموعة « المرموقة » التي تمت الإشارة إليها آنفا، توجد في طليعة الحزب الجديد أو تراقبه من بعيد مما يجعل مستقبل هذا الحزب ومستقبل البلد بأسره في خطر.

إن مصداقية الرئيس ستتعرض لكثير من المحن بتعامله مع هذه المجموعة للأسباب التالية :

  1. عندما تتأكد عودة هذه الأحزاب إلى زمام الأمور، فإن الجماهير ستفقد كل أمل في رغبة النظام الجديد في القيام بأي إصلاح حقيقي أو تغيير أو عدالة مما يؤذن بنهاية فترة التربص التي يحتاج لها أي نظام جديد حتى يتسنى له ترتيب الأمور.
  2. عندما يلاحظ أصحاب الرشوة في الإدارة أن زملاءهم عادوا إلى دفة الحكم، «سيسارعون، بصفة مباشرة وعلنية، في ممارسة مهامهم، بهلع أكبر».
  3. إن عودة نظام رئاسي من هذا النوع إلى زمام الأمور، قد يوقظ محن وآلام أبناء هذا البلد الذين يبذلون جهودا مضنية لتناسي ممارساته في الفترة السابقة.
  4. في الوقت الذي نبحث فيه عن تعزيز الوحدة الوطنية والوئام بين جميع مكونات الأمة، تظل عودة هذه المجموعة ضربة قاسية لهذا العمل الذي بدونه لا يمكن لأية تنمية أن تكلل بالنجاح. ونحن بحاجة إلى توطيد وحدتنا الوطنية بكل ذكاء ومهارة.
  5. وأخيرا، فإن العودة إلى الروح والمنهجية السابقة قد تؤدي إلى تصعيد الخلافات مع المعارضة (وحتى مع الأغلبية)، وإلى الراديكالية القديمة مما يقود إلى نهاية الحوار والممارسات الديمقراطية.

طبعا، نحن لا نرفض التوبة. فالله تعالى يقبل التوبة!

نحن لا نرغب في إقصاء إخواننا، لكننا نرفض العودة إلى الممارسات والتصرفات التي أضرت بالبلد في عهد الجمهوري والهياكل ولجان الانقلاب الدائم ومصدر استئناسهم اللاشعوري : «الحزب الاستعماري».

هذه الممارسات غريبة على قيمنا وألحقت بنا كثيرا من الأضرار ولا يمكنا أن نسمح لبعض الأشخاص فرضها علينا، اليوم، متذرعين بأنهم سيدخلون في الحزب الذي يدعم الأغلبية الرئاسية، وكما لو أن الأغلبية في موريتانيا تعني، بالضرورة، الرشوة والانهيار.

وليست لنا أية صلات « بيولوجية » أو تاريخية مع هذه الممارسات : اختلاس الأموال العمومية – الرشوة – النفاق – والأنانية بلا حدود.

وإن التسامح الذي نتحلى به والحب الذي نكنه للمواطنين، لا يضاهيه إلا قساوتنا اتجاه هذه الأنظمة (منهجا – وسيلة – روحا) التي يجب الحكم عليها بالإعدام.

نحن لا نريد أن نسمح لأولئك الذين يضعون مصلحة حكمهم فوق المصلحة العليا للوطن أن يغرقوا بلادنا من جديد في الأعماق بوصولهم إلى دائرة الحكم، وبإخفاء الحقائق عن الرئيس كما دأبوا على ذلك بمهارة فائقة.

كما أنهم تمكنوا من مغالطة الشركاء الأجانب والممولين بإصدار بيانات خاطئة.

هذا النظام الذي يقوم الحزب الرئاسي، عن طريقه بالأمور التالية :

  • التحكم في الإدارة عن طريق احتكار المناصب والمسؤوليات والتعيينات في المرافق الإدارية.
  • تعيين ورقابة المسؤولين المكلفين بتسيير المشاريع.
  • إعداد تقارير موجهة إلى الرئيس تتضمن، عادة، ما يحلو لأصحابها بدل الواقع، عن طريق، التشاور المسبق تفاديا للتحقيق في صحة البيانات التي تحتوي عليها.
  • العمل على ابتكار تهديدات وهمية تتعلق بالأمن، بغية خلق شعور بالتهديد الأمني الدائم، وإيهام الرئيس بأنها هي المجموعة الوحيدة التي يمكنه الاعتماد عليها.
  • وإيهام القوى الأجنبية أن أبناء المسلمين يهددون أمنهم وأمن العالم بأسره، بغية خلق فرص لتحالفات مشبوهة؛ وهذا النظام لا تمكن عودته بدون عقاب.

في ظل هذا النظام، تتحول المنظمات المهنية، شيئا فشيئا، إلى مصالح بوليسية، لصالح هذا الحزب.

هذه الممارسات أدت إلى الإفلاس العام على المستوى المعنوي، مع تدمير نظام التهذيب وإشاعة الرشوة ونزوح آلاف الموريتانيين إلى الخارج.

وإن هجرة الأدمغة وتوسيع الهوة بين الأغنياء والفقراء، تشكل، بالذات، نتائج بارزة لهذه الممارسات التي قادت إلى فشل المشاريع التنموية وإفلاس المؤسسات العمومية والمتاجرة بالمخدرات الخ…

وحتى لو قبلنا العودة إلى هذه الممارسات، فإن التاريخ والشعب لن يقبلا منا العذر.

وكذلك الحال بالنسبة للمولين والمؤسسات الدولية حيث أن ضمائرهم ستدفعهم إلى الانسحاب من بلدنا.

هذا النظام لم تعد له مكانة في موريتانيا.

وإذا ما عاد، فإن موريتانيا لن تكون لها مكانة!!!

وعلى كل حال، يجب على الحزب المرتقب، أن يكون يقظا حول هذه القضايا لتفادي المسالك التي قادت أحزابا أخرى، قبله، إلى الانهيار.

فأين هم الآن أحزاب الدولة المهيمنون والمسيطرون بالأمس؟

أين حزب الشعب الموريتاني؟

أين الهياكل؟

أين يوجد اليوم الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي؟

نود الآن أن نتناول بعض القضايا المتعلقة بهذا الحزب الذي يوجد في طور التأسيس، والذي هو مصدر المناظرات السياسية الحالية على الساحة الوطنية :

  1. فالبعض يدعي أن هذا الحزب هو «حزب الرئيس لأن أعضاءه انتخبوه رئيسا». إلا أنه يمكن لكل حزب أن يساند الرئيس ويساعده على إنجاز برنامجه دون أن يكون حزبه. فهذا الرئيس ليس مرشحا لأي حزب.

وهذه الشائعة خطيرة لأنها تستخدم، بصفة جزافية، اسم رئيس الجميع لصالح أحد الأطراف أو أحد الأحزاب.

وحتى ما نسميه حزب الأغلبية الرئاسية يجب أن تدعمه لنفس الأسباب فضلا عن أن أحزابا أخرى ساندته في الوقت الذي لم يكن هذا الحزب موجودا.

وهل ندري ما إذا كان هذا الحزب بعد تأسيسه، سيسانده أم لا؟

يجب أن لا نبيع جلد الدب قبل أن يولد!!!

  1. يقال إن « الرئيس لا مانع من أن يكون عضوا في أحد الأحزاب».

إلا أن الدستور يحظر على رئيس الجمهورية أن يقود أي حزب.

هذه المقولة تشكل خرقا لروح الدستور.

كيف يمكن لرئيس الدولة وهو رئيس الجميع أن يكون عضوا في حزب تسند قيادته لشخص آخر؟

ما أغرب هذا المنطق!

وكأن الأشخاص الذين أشرفوا على تحرير مسودة الدستور لم يفكروا في توضيح مثل هذا الإستشكال، لأنه لم يعد بديهيا.

وبما أن الرئيس منتخب من لدن كافة الشعب، لا يمكنه أن يكون تحت إمرة جزء من هذا الشعب أو أحد الأحزاب ليؤدي دور المناضل المنضبط البسيط.

فهو الذي تسند إليه قيادة الجميع ولا يمكنه، إذا، أن يكون تحت سلطة أي شخص.

والحس السليم كان، طبعا، في الغالب، ثروة يتقاسمها الجميع!

وهذه الحجج يتم جرها، فيما يبدو، بشعر « أبيض » مما يذكر بالحجج التي كانت تدعم « البطاقة البيضاء»!!

  1. ويقال أيضا إن «فريقا من البرلمانيين المستقلين هو الذي بادر بتأسيس الحزب، بهدف دعم الأغلبية الرئاسية، الرئيس والحكومة على مستوى البرلمان»!

نقول لهم إن دعم الرئيس وحكومته لا يتطلب، بالضرورة، إنشاء حزب أو الانضمام إليه إن كانوا حقيقة مقتنعين ومصممين على دعمه.

ولو كان الأمر يتعلق بشرط مطروح لرئيس الجمهورية 2 وهو : إنشاء حزب جديد للدولة (الرابع في تاريخ البلد – والخامس إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الحزب الاستعماري) لمساندة حكومته.

نقول لهم إن الرئيس يملك آليات دستورية تسمح له باللجوء إلى استفتاء الشعب دون الخضوع لأي ابتزاز أو أية شروط مسبقة.

هذه بعض العناصر لكشف النقاب عن بعض الأساليب القديمة التي يسعى البعض إلى بعثها الآن بالتقرب من الرئيس وابتزازه، قدر المستطاع، لنيل مصداقية قد ولت من قبل واحتلال الخطوط الأمامية بغية الحصول على الامتيازات المادية بعد ذلك.

وأخيرا، من فضلكم، أيها المواطنون الأعزاء، دعونا نستخلص الدروس من الماضي لمصلحتنا جميعا، ونتفاهم حول المبادئ التالية :

  1. العمل على الفصل بين السياسة والمال.

فلنترك لكل واحد ميدانه! فللسياسة رجالها! وللمال رجاله!

وكلا الفريقين له منهجياته الخاصة والسبل الكفيلة بالمحافظة على مصالحه.

فممارسة السياسة تعني، أولا، التعلق بالشأن العام، خدمة للبلد بصفة عامة.

أما المال فإنه نوعان : المال العمومي والمال الخاص.

ويظل التدخل المفرط للمال العمومي في السياسة وحياة الأحزاب، شيئا غير مقبول.

لايمكننا تجاهل سلطة المال، إلا أن الديمقراطية تعطي لكل واحد (غني أو فقير) صوتا واحدا.

ولا يخفى على أحد أن المافيا وقوى الشر الأخرى تصل إلى السلطة عن طريق المال الخاص. ونحن نعلم كيف يمول بعض أصحاب المال الغير ورعين، السياسة في شكل استثمار يسترجعونه على حساب المجموعة الوطنية، عندما يصل مرشحهم إلى السلطة!

وعليه، فإن الصفقات والمشاريع تمنح، عادة، للذين استثمروا في السياسة.

أما المال العمومي فإنه ملك للجميع واستخدامه بصفة مفرطة لأغراض سياسية لم يعد مقبولا هو الآخر.

إلا أن البعض يتذكر أن استخدام المال العمومي لأغراض سياسية كان مقبولا ومنتشرا، بصفة واسعة، حيث غدت الرشوة واختلاس الأموال العمومية بجميع أنواعها، لأغراض الحزب، هي القاعدة الجارية.

يجب تقنين وتأطير تمويل السياسة والأحزاب السياسية، بشدة، بغية تقليص تكاليفهم وضغطهم بصفة غير شرعية على الاقتصاد الوطني.

وفي المقابل، يجب على الدولة أن تعمل رسميا وبصفة علنية وجدية على دعم الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان بهدف صيانة المسلسل الديمقراطي والأطر الذين يمارسون السياسة، بصفة معتدلة (أكثر مما هو موجود الآن).

فالأطر السامون الذين يعملون بوفاء وبصفة دائمة لمصلحة بلدهم في إطار الأحزاب الذين يحظون بثقة جزء معتبر من الساكنة، يستحقون العرفان والتقدير.

إن الأطر «المحترفين في السياسة» يجب على الدولة أن تمنحهم، عن طريق أحزابهم، راتبا محترما لتمكينهم من العيش بكرامة هم وأسرهم.

فيمكن مثلا لبعض الموظفين السامين أن يستفيدوا من الإعفاء من الخدمة، بصفة مؤقتة، أو الإعارة أو حتى الاستقالة من الإدارة، للعمل في الأحزاب التي ينتسبون إليها.

لماذا واحد أو اثنان وليس الآخرون؟

لماذا الدعم الذي تمنحه الدولة للبعض في إطار الديمقراطية، ينظر إليه كما أنه رشوة؟

كل ظاهرة عصرية جديدة أو تلك التي ينتظر إدخالها في المجتمع، التقليدي في الأساس، يجب على الدولة، لا محالة، (في المرحلة الأولى) أن تدعمها أو تعززها لأن الدولة هي «الهيئة، الخلية القاعدية للعصر».

وتجربتنا الاقتصادية والسياسية تبرهن على ذلك. والديمقراطية ليست استثناء في هذا المجال إلا في أذهاننا.

وبدون هذا الدعم المالي النشط من الدولة، قد تفقد الديمقراطية نجاعتها وذلك من الأسباب الأساسية لافتقارها للدم ومن أسباب سوء التنمية في بلادنا.

  1. يجب رسم خط واضح يفصل بين الأحزاب السياسية والمسؤولين في الإدارة، بصفة عامة، والإدارة الإقليمية، على الخصوص.

إن واجب التحفظ الذي ينطبق دستوريا على رئيس الجمهورية، رئيس الدولة، يجب أن يشمل المسؤولين السامين في الإدارة كوكلاء الدولة في علاقاتهم مع الأحزاب.

وروح الدستور الجديد وكذلك التجربة التي عشناها في السنوات الأخيرة تملي علينا عدم المواءمة في تراكم الوظائف!

وهناك أيضا اعتبارات أخرى أكثر ترسيخا في أذهان الناس حيث نظن، مثلا، أن المسؤول في الإدارة الذي ينتمي إلى حزب الرئيس :

لايساءل بحكم «الحصانة» التي يتمتع بها بفضل هذا الانتماء لأن الوظيفة السياسية فوق الوظيفة الإدارية. فهذا المسؤول له إذا وظيفتان :

  • له السلطة الكافية لمنح ما ليس له لمن لا يستحقه.
  • يمكنه أن يوزع منافع غير مستحقة لأصدقائه.
  • وأن يمنع معاونين أكفاء لأنهم ينتمون إلى المعارضة.
  • ويستغل الوقت والمال العمومي والسلطة لأغراض طائفية.

والرتبة في الحزب أسمى من النظام الهرمي للإدارة مما يسبب :

  • الفوضى
  • عدم الانضباط
  • تراكم الامتيازات.

وهذه الممارسات مغروسة بصفة قوية في أذهان الناس ولن تزول عن طريق تغيير اسم الحزب.

وتصبح قفزة نوعية ضرورية لضمان القطيعة في هذا المجال.

ومن الضروري إجراء صدمة كهربائية للعقليات في مجال السياسة.

ونحن نحذر من هذه الروح الفتاكة التي من شأنها أن تدوم إذا ما عاد أولائك الذين يحملونها في مقدمة الساحة ووقفوا في الخطوط الأمامية للحزب الجديد ونفس الأسلحة القديمة والمعدات، في أيديهم.

وبالإضافة إلى ذلك لم تعد قواعد الحكم الرشيد ولا الشفافية التي التزمت الدولة الموريتانية باحترامها، تتلاءم مع وجود حزب قوي على جميع الأصعدة أو مع مسؤوليه.

وإن إحدى القواعد الأساسية للحكم الرشيد والشفافية تكمن في الفصل الواضح بين الوظائف وتفادي التراكم الغير ملائم للمسؤوليات.

وفعلا، فإن إدارة مدينة طبيعية تتكون من عدة وظائف :

  • التوجيه الإستراتيجي
  • اعتماد النصوص
  • التنفيذ
  • المتابعة والتقييم
  • الرقابة.

فيرجع للحزب ورجاله السامين دور التوجيه الإستراتيجي بينما يبقى دور التفعيل للإدارة ورجالها وهم مواطنون أوفياء للدولة ولرئيسها.

للبرلمان يعود دور المصادقة على النصوص والرقابة.

ولرئيس الجمهورية ومحكمة الحسابات وهيئات أخرى دور الرقابة والمتابعة والتقييم.

وعليه، فإن التكامل بين السلطة المضادة ونظام الرقابة الداخلية، سيمكن من وضع إطار ملائم لتوزيع الأدوار وإنجاز البرامج، بصفة مرضية، فعالة وشفافة، وللحد من مخاطر الانزلاق وسوء التسيير.

يجب على كل واحدة من هذه الهيئات أن تعمل على تحسين القدرات الوطنية.

ولا يفترض، لممارسة الحكم الرشيد، بالضرورة، الانتماء إلى أحزاب سياسية. فالكفاءة والنزاهة تكفيان لذلك.

يجب على الجيش والعدالة أن يبقيا بمعزل عن السياسة.

فماذا نقول عن الإدارة التي هي باتصال كل يوم مع جميع المواطنين في بلد يعاني من مرض نفسي يسمى الاعتماد على « مؤنة الدولة ».

والبعض يدعي أنه يأتي لمساعدة الرئيس عن طريق الحزب. بلى! وبالفعل فإن من ضمن أولئك الذين يدعون للانضمام للحزب الجديد، يوجد بعض وكلاء الدولة. وهل من جديد؟

وماذا نقدمه للرئيس، رئيس الدولة ؟ نحن موظفي الدولة؟!! مما يذكر بالمقولة الشهيرة «دعنا نقطع جزءا من إحدى شفتيك لنمكنك من ابتلاعها لقمة سائغة تتغذى بها».

وفي الحقيقة، عندما ندرس « التحليل النفسي لهذه العملية » نكتشف أنها محاولة واعية أو غير واعية لقلب الأدوار حيث نجعل رئيس الجمهورية تابعا لوكلاء الدولة. روح الكزره! التبتيب! ابلتيك! التمرد! والأمور تنقلب!

ويعتمد هذا الفصل بين الوظائف، وهو منهجية علمية مطبقة في أنظمة الحكم الرشيد، كامتداد لفصل السلطات على منطق واضح ودروس مستخلصة من الماضي.

ومفهوم حياد الإدارة صالح، لاشك، لجميع الدول الإفريقية التي تتبنى النظام الديمقراطي.

يجب على موريتانيا أن تسجل هذا الاكتشاف في شكل شهادة وتفعله!!

إن الشفافية التي طبعت الانتخابات الأخيرة في موريتانيا كانت نتيجة للحياد المطلق الذي ألتزمته الإدارة في تعاملها مع الأحزاب ومع المرشحين.

وقد يرد علينا البعض « هذا لا يوجد في الولايات المتحدة ولا في فرنسا ولا في انجلترا!! »

بيد أننا لا نفكر لمصلحة هذه البلدان موضوعنا موريتانيا!!

كما أنه لا مجال لمقارنتنا مع ديمقراطيات أخرى قديمة لأنها لم تكن محكومة منذ 50 سنة بأحزاب الدولة.

وفي هذه الديمقراطيات يظل الأطر (المساندون أولا) متشبعين بالثقافة الديمقراطية، حيث لا يبحثون، إطلاقا، عن إفشال اللعبة!

وإن الضغوط القوية لصالح المعايير السياسية قد « تضايق » معايير الكفاءة والنزاهة.

وإن « العملة السيئة » في الإدارة ستطرد « العملة الطيبة » : الكفاءة والنزاهة.

تكون النتيجة هي الرداءة والرادوقراطية (أي حكم الرداءة). ونفس الأسباب تعطي، دائما، نفس النتائج.

  1. يتعين على الحزب الجديد أن يكون حزب إطارات بدل أن يكون حزب « جميع المواد، جيدها ورديئها » (tout venant).

وأن يعمل على تأطير الحياة السياسية على أساس قواعد إيديولوجية، بالمساهمة في تعبئة موارد البلد حول برنامج رئيس الجمهورية.

ويجب عليه الابتعاد عن أمثال الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي والهياكل وحزب الشعب الموريتاني أو الحزب الاستعماري (وهذا الأخير مازال يغذي مسلكياتنا السياسية دون أن نشعر!).

وفي إطار حزب طلائعي، يأخذ الأطر كل الوقت اللازم لإنجاز أعمالهم بصفة مرضية.

وإذا ما حاولوا، بالعكس، أن يؤطروا ويجندوا كل الموريتانين في هذا الحزب فإنهم سيفشلون، لا محالة. ولن يسلم من ذلك الفشل أي أحد.

وسينحرف الحزب ليتحول إلى منظمة قبائل وموظفين ليكون آلة في يد النظام.

وسيكون سخيفا !!

وقد يقول الشعب لهؤلاء: «إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخروا منا» صدق الله العظيم,

إن التضخم في الأعداد لا يعني بالضرورة الفعالية، إذ أن الحزب قد يبنى على الكذب.

لو كانت أحزاب الدولة قابلة للبقاء، لكانت موجودة الآن. ثم إن تفاقم منتسبي الحزب الجديد سيكون له ثمنه من الوقت ومن الوسائل بكل أنواعها لضمان تسييره وإرساء الحد الأدنى من الوئام داخله.

والأدهى من ذلك أن تنظيم هذا الحزب ومشاكله الداخلية، قد تضع برنامج الرئيس في مرتبة كافية خلال المأمورية الأولى، بالسيطرة على الأذهان وخلق فرص لتنظيم انتخابات لا نهاية لها مما يؤدي إلى الفساد المالي والخلافات المستمرة.

  1. يجب حصر العمل السياسي لكل واحد منا على مقر إقامته الفعلية. وهذا من شأنه أن:
  • يحد بصفة معتبرة من التكاليف والأعباء وبالتالي من مكانة ووزن المال في حياة الحزب.
  • يعزز شعور الانتماء إلى الوطن.
  • يخفف من دور القبلية والجهوية والمحسوبية في الحزب وفي البلد.
  • يسمح للأطر المحليين بإمكانية الانتعاش سياسيا.
  • يجنبنا مصاريف باهظة من الوقود الذي تتصاعد أسعاره شيئا فشيئا، بمعيار رجال/وقت، وبضمان تغطية ثمن سيارات الأجرة!!
  • يحد من مكانة « الفولكلور » في الحياة السياسية.

نكتفي بهذه المقترحات التي نعرضها على النقاش الديمقراطي.

ونظل مستعدين لاستقبال أي رأي بناء يهدف إلى إقامة ديمقراطية حقيقية خدمة لمصلحة وطننا العزيز.