Catégories
الحكامة الرشيدة بحوث

نداء للتحاور إلى جميع الموريتانيين في السلطة وفي المعارضة

نداء للتحاور إلى جميع الموريتانيين في السلطة وفي المعارضة

مواطني الأعزة أتوسل إليكم أن تساعدوني لأستكنه حقيقة ما يجري في بلادنا،  لأنني لم استطع أن استوعب ما يقوم به هواة ومحترفو السياسة والسلطة في موريتانيا، أين نحن ؟ وإلى أين  نتجه ؟ وإلى أي نقطة يريد هؤلاء الساسة أن يصلوا بنا ؟  وما  الذي يدور في أذهانهم ؟ وماذا  تتضمنه أجندتهم ؟ وأين هذه الأجندة ؟ أين هاماتهم وما يدور فيها من فكر مقارنة بأجسامهم؟ وما الذي يسند أجسامهم، أو يسيطر عليها ؟

ما حقيقة ما نسمعه في هذه الأسابيع من هنا وهناك؟ وماذا نرى هنا وهناك؟ هل سمعتم أنتم مواطني الأعزة ما سمعته؟ وهل رأيتم ما رأيته ؟

إنني لم استطع أن أصدق أذني في ما سمعته، أو أصدق عيني في ما رأته، وخلت فجأة أنني أصبت بضعف في السمع وضعف في البصر ، وإذا كان ما سمعته ورايته حقيقة فإنني أتمنى في بعض الأوقات لو كنت لا أرى ولا أسمع.

لقد دأبت على أن أنشر المقالات بغية تقديم المقترحات، وكشف قضايا أرى أن مقالاتي تتضمن أجوبة لها، وهو ما أقوم به باستمرار متجنبا النقد والسب وخدش حبي الخالص للجميع، واليوم أعود إليكم من جديد لأطرح بعض الأسئلة، التي تشي بأنني أشعر بجراح عميقة بين جوانحي، جراح أصابت اعتزازي بموريتانيتي في الصميم، راجيا ألا أجرح أحدا رغم جراحي النازفة، لأن غايتي أن تزول جراحي وتشفى دون أن أسبب ضررا معنويا للآخرين، وإذا لم أوفق في ذلك فإن الأمر لا يعود إلى إرادة للإضرار بالآخرين، وإنما يرجع إلى أن الآلام  التي تعصف بالوعي قد تمنع الإنسان من السيطرة على ذاته.

إنما أريد أن يدركه مواطني الأعزة وقرائي الكرام، أن يفهموا ما لم استطع فهمه؛ لأنني لم افهم خطاب المعارضة، ولا أنا فهمت خطاب السلطة الحالية، ولم استوعب مواقف كل طرف منهما منذ الانتخابات الأخيرة، ولم افهم مواقف فاعلين آخرين.

وسأبدأ بالفاعلين الأساس في المشهد السياسي: السلطة والمعارضة

لم افهم تصرفات مواطني الذين هم في السلطة، إذ كيف  يمكن لسلطة سياسية تدعي أنها تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع، وأنها تدير البلد بشكل ديمقراطي، أن تتصور أنها ستحقق هذا الهدف في غياب منطق التوافق  والحوار والتواصل والرأفة واللطف مع المعارضة الديمقراطية؟ كيف يمكن لهذه السلطة أن تنتهك – دون مبالاة – في  سنة 2010 أول قاعدة من قواعد الحكم  الديمقراطي الرشيد؟

هل تظن السلطة الحاكمة أن الديمقراطية تنحصر في مجرد انتخابات رئاسية تحمل رجلا إلى دفة السلطة ليدير ظهره لجزء كبير من الطبقة السياسية للبلد، جزء كبير يمثل نسبة %48  من الشعب الموريتاني، رجل انتخب مرة واحدة ليتخلص من وضع حساب للرأي الآخر حتى يفعل  في البلد ما يحلو له ؟  مع أن هذا الرئيس قد صرح بمناسبة تنصيبه  رئيسا للجمهورية على غرار جميع الرؤساء المنتخبين ديمقراطيا، بأنه سيكون : »رئيسا للجميع »، أم أن هذا الرئيس أغرته جماعة من حاشيته ممن لا يزالون يخلطون بين النظام الديمقراطي، وبين « نظام الفساد السياسي »، حيث يزعمون  » أن الأغلبية تحكم والأقلية تعارض »، وأن  » الأغلبية لا تتقاسم السلطة » كما لو كانت السلطة قطعة كعك، في حين أن هذا التعريف  ينطبق عليه تعريف « نظام الفساد السياسي »، في جميع أنحاء العالم ولدى جميع المنظمات الدولية التي تتمتع بلادنا بعضويتها.

إن السلطة عبء ثقيل وكلما كثر من يحملونها كلما خف عليهم حمله، كما في المثل الحساني الذي يقول: » حمل الجماعة ريش » هذه الشعارات والمسوغات التي نسمع في إفريقيا وفي موريتانيا تعود إلى قواعد تسيير « الأنظمة »، والتي ينظر رجالها  إلى الدولة كما لو كانت منجما من الثروات يمكن أن تخول لهم بشكل تلقائي الولوج إلى ظروف حياة  الإنسان الأوربي في بلادنا المتخلفة، وبالنسبة إلى هؤلاء « ديمقراطيي الأغلبية » فإنهم يعتقدون أن الدولة قد تستهلك تارة بطريقة فردية وتارة بطريقة جماعية، وأن استهلاكها يصبح شيئا فشيئا بطريقة فردية أكثر منه بطريقة جماعية،  وهؤلاء لا ينتظرون من  الدولة أن  تصل عن طريق الحوار  » الاحتوائي »  والبناء إلى إظهار الصالح العام، أو أن يتم التوافق بشفافية على حلول وسط بين مختلف الفرقاء ، في أعين أنصار نظام الفساد فإن الدولة هي مجرد منجم  لتحصيل الثروة دون شفقة، حيث يكون الأقوى والأكثر مساندة من مجموعته هو الذي يستطيع شرعيا وديمقراطيا أن يختطف ما يشاء بشرط أن يتقاسم ما حصل عليه مع مجموعته الأصلية، بينما الديمقراطية أكثر حداثة وأكثر مدنية من أن تختزل في هذه النماذج التبسيطية الكاريكاتيرية إن هذا النموذج من النظام يسمى خارج حدودنا « نظام الفساد السياسي » ونحن نجهل هذا حين نخلط بين الديمقراطية وبين الفساد السياسي.

في الحقيقة فإن هذا النظام  الذي وصفته يسمى خارج حدودنا بل وفي جميع أصقاع المعمورة بنظام الفساد ذي اللون الرمادي، إن هذا النظام يقوم في الواقع بتحويل المصادر المادية والمعنوية للدولة إلى جماعة « المولاة » وحرمان غيرها من تلك المصادر، وهذا ما يجعل البقية في وضعية الاعتراض على شرعية النظام العام، وهكذا نجد أنفسنا في طريق مسدود باستمرار.

كيف يمكن أن نقدم اقتراحا بوصفه حلا لرئيس كان هدفه الأول المعلن كما صرح بذلك الحرب على الرشوة  » راجع المقالات التي كتبناها عن الحكم الرشيد »؟

إن نظام الفساد السياسي لا يمكن أن يحارب الرشوة، لأنه أكثر ضررا منها.

ومن جهة أخرى فإنني لم استوعب _ مواطني الأعزة – أن معارضتنا الديمقراطية في حملة انتخابية دائمة تارة لمساندة مرشح، وتارة للإطاحة برئيس منتخب، لماذا قبلت هذه المعارضة أن تتحاور مع المرشح أو مع ممثليه بشكل متتال ؟ ولماذا قبلت أن توقع على اتفاق داكار ؟ ولماذا قبلت المشاركة في حكومة توافقية لمراقبة انتخابات 18 يوليو؟

وبما أن المعارضة شاركت في كل ما ذكر في وقته باعتباره « وسيلة للخلاص » ، فلماذا تصنف النتائج التي أسفر عنها مرة بالمسخرة المدانة،  ومرة بالتزوير المرفوض’؟ ولو افترضنا أن ما قالته المعارضة كان صحيحا أما كان عليها أن تضطلع بواجبها وتدافع عن خياراتها ؟ أما كان يجب عليها أن تحترم هذا العمل المشترك الذي أشرفت عليه المجموعة الدولية حتى لا تظهر  كما لو كانت لاعبا غير محترف في أعين العالم ؟

ولنفترض جدلا أن ما تقوله المعارضة صحيح، أما كان يجب أن تخشى على رصيدها ومصداقيتها في المستقبل، وتخشى على صورة السياسي الموريتاني الخارجية، وصورة الموريتانيين بشكل عام ؟

إذ أنه من المسلم به أن تعهدات اتخذها رجال موريتانيون باسم الشعب الموريتاني أمام المجموعة الدولية يجب أن تحترم بغض النظر عن الاعتبارات الشخصية والأغراض الحزبية، ولأننا شعب عظيم فإن على ممثلينا أن يحترموا تعهداتهم السياسية والخلقية في شكلها ومضمونها.

إن على جريدة الشعب و »أورزون » والصحف والمواقع  الإلكترونية الأخرى أن تنشر اتفاقية دكار؛ لأنه من حق الشعب الموريتاني أن يعرف  محتوياتها ليكون له تصور ورأي بعد أن يعرف جميع حيثيات القضية، وهكذا يمكن أن يقام حوار عام حتى نستطيع الخروج من هذا المأزق  ونترك اللف والدوران، حتى لا نبقى نراوح مكاننا مدة خمس سنوات، التي هي فترة مأمورية رئاسية، إلى متى ونحن ندور في دائرة مظلمة، وننتخب لندخل هذه الدائرة المظلمة من جديد،؟ إلى متى سنصل إلى بر الأمان ؟

– إن الحياة السياسية قد أفرغت من مضمونها، وتحولت إلى ساحة للنزاع الشديد.

– أفرغت من مضمونها بسبب أن الرهان ليس على اختيار مستقبل الأمة، فهل سمعتم حديثا بين السلطة والمعارضة عن حوار أو اختلاف حول وجهات النظر حول سياسة السلطة، أو سياسة المعارضة ؟ السياسة الاقتصادية والسياسة المالية والسياسة الضريبية والسياسة البنكية والسياسة الصناعية والسياسة الزراعية، والسياسة الظرفية، والسياسة الهيكلية والسياسة الثقافية، والسياسة الاجتماعية، وسياسة التشغيل، وسياسة…، وسياسة …..الخ

لأن جميع دول العالم لديها سياسات في هذه المجالات المذكورة، الأحزاب التي في السلطة مثل الأحزاب التي في المعارضة في جميع الدول لديها تصور عن هذه السياسات وتقترحها على أساس يتسم بالتشخيص العلمي وفق أهداف واضحة ووسائل محددة، بعكس ما عليه الحال لدينا، فلتفحصوا الخطابات ولتراجعوا الصحف والبيانات والمقابلات والندوات الصحفية والمهرجانات التي ينظمها رجالنا السياسيون الذين هم  في السلطة أو الذين هم في المعارضة وستتأكدون أنهم لا يتحدثون عن هذه السياسات ؟

ليس هناك سوى أشخاص يفتخرون، ويسبون ويغتابون ويعدون وينتقدون  ويساندون ويصفقون ويحتجون ويكررون جملا تحولت إلى ضمائر: أنا …أنا .. ثم أنا مرة أخرى …. أنت .. أنت … ثم أنت مرة أخرى، باختصار إنهم يحملون شعارات ولافتات وليس تقارير لجان مختصة أو خبراء أو وزراء حول مواضيع معينة، ليست هناك لجان للتفكير ولا للتشاور أو للحوار ولا للمصادقة على شيء.

إن أداة العقل الاقتصادي التي هي الإحصاء غائبة وغير معروفة، لا إحصاء عن البطالة لا إحصاء عن خلق فرص للعمل، ولا توجد إحصاءات ذات مصداقية منشورة.

أين ذكاء الموريتانيين؟

لقد سمعتم في المقابل حديثا عن هذه القبيلة أو تلك   التي تم إقصاؤها عن الإدارة،  أو أبعدت  عن الاقتصاد، وتلك القبيلة أو المجموعة التي تمت ترقيتها وتوشيحها، وأن السيد فلانا أو السيدة فلانة تم تعيينه أو تعيينها، وأن فلانا أعفي من مهامه، ويقولون لنا بأن هذه هي السياسة، وان هذه هي الديمقراطية وأن هذه هي الجمهورية.

– مواطني الأعزاء إن السياسة  ليست هكذا ولا يمكن أن تدار دولة بهذه الطريقة.

– لقد صارت السياسة مجالا للنزاع بين مجموعات متعطشة لما تخوله السلطة من امتيازات مغرية.

إن الجميع مشارك في تشويه السياسة والديمقراطية في بلادنا، بسبب هذه الرغبة في تشويه الديمقراطية من أكثرية تحاول سحق الأقلية  وتهميشها، ومعارضة لا تفتأ تختلق الخصام مع السلطة ، وهذا ليس  نتيجة لانعدام الأخلاق، بل هو نتيجة رؤية للعالم مورثة عن الماضي الاستعماري، إنها بعبارة أخرى « ثقافة »، وهي أيضا نتيجة لمسار سيئ أخذته البلاد في يوم ما من أيام يوليو 1978، وبالتحديد يوم 10 منه.

ومن أجل إعادة  السياسة إلى مكانتها الصحيحة في بلادنا، وإعطائها ما تستحقه من فضائل  يجب أن نعمل بغية القضاء على هذه الثقافة حتى نؤسس لثقافة جديدة  ترتكز على قيمنا في الانفتاح والكرامة والسمو والشرف والأخوة والعدالة، وتنسجم مع الحداثة الصحيحة، والأصالة الحقيقية: الحكم الرشيد.

كما أننا .يجب أن نعلم أن الديمقراطية تستلزم الحرية والحكم الرشيد، ذلك أن الديمقراطية لها معنيان شديدا الاختلاف وهما:

  1. حق كل مجموعة في أن تحدد مصيرها بنفسها وتختار الرئيس والحكومة الذين يعبران عن إرادتها الجماعية؛
  2. حق كل مواطن ومجموعة سياسية في الحماية من تعسف السلطة، كما أنها ضمان للمعارضة ألا تسحق أو تهمش، وهذا ما يجب أن يتأسس على ثلاثة مبادئ رئيسة؛
  3. النقاش والحوار وإلا كانت الدكتاتورية،
  4. مؤسسات  » رئيس وحكومة  » قوية معترف بها حتى تكون هناك إمكانية للحوار، وقدرة على تنفيذ قرارات هذا الحوار، وإلا كانت الفوضى؛
  5. العدالة في تطبيق القرارات وإلا كانت الليبرالية المتوحشة؛

.وهذا ما يقتضي أن ندير الظهر  للعقليات السلبية حتى نسلك طريق المصالحة،  ونتحلى بعقلية إيجابية، بشكل دائم في السياسة، وهو ما يستلزم في النهاية أن نفرض السلم في حدودنا، ونعلن الحرب إذا فرضها علينا عدو خارجي، لكن مهما يكن الحال لا يجوز أن نسمح بإعلان الحرب على أنفسنا.