الرئيسية أخبار مقابلة مع جريدة الأمل الجديد: اتفاق داكار كان نجاحا وفشلا في آن واحد

مقابلة مع جريدة الأمل الجديد: اتفاق داكار كان نجاحا وفشلا في آن واحد

0
0

مقابلة مع جريدة الأمل الجديد:

اتفاق داكار كان نجاحا وفشلا في آن واحد

الدكتور محمد ولد محمد الحسن / أستاذ جامعي – اقتصادي متخصص ومفكر نظم وشارك في العديد من الندوات السياسية ، حاورته الأمل الجديد حول رؤيته للواقع السياسي والحوار بين الأغلبية والمعارضة .

الأمل الجديد : ما سر هذا الاهتمام بالشأن السياسي لمواطن لا ينتمي لأي من الأحزاب أو الفعاليات السياسية الرسمية أو المدنية؟

ج: موريتانيا للأسف مرت عليها عقود من السنوات وهي تتعثر في أزمات متعاقبة – يجب برأيي- على كل مواطن – في كل محنة يتعرض لها بلده -أن يدلي برأيه في كل ما يتوقع أن يقدم حلا ما خاصة وأن المانع لنا من الانتظام في الأحزاب والهيئات السياسية عدم سلامة المعادلة التي تمارس السياسة لدينا على أساسها ،حيث ان السياسيين لدينا لا يعيشون للسياسة وانما يعيشون من السياسة عكس ما يجب أن يقع، ونحن نريد من السياسيين أن يعيشوا للسياسة لا منها.

أما بالنسبة للذين لا يعيشون لا للسياسة ولا منها فليس معنى ذلك ألا يكون تدخلهم في الشأن السياسي ايجابيا في بعض الأوقات بل قد يكون المتفرج ذو الاهتمام حكما إذا تهيأت الظروف لذلك. وعلى هذا الأساس فنحن الذين لا نصنف بأننا سياسيون نمتلك نظرة من يراقب الأمور من خارج دائرتها كما أن الوقت متاح لنا للتفكير والاطلاع على ما يجري على الساحتين المحلية والدولية في الوقت الذي انشغل فيه ساستنا للأسف في صراعاتهم فيما بينهم على حساب ماذا يجب أن يفعلوا ولماذا ومتى   وكيف ؟ وعلى حساب الاقتصاد والتنمية والثقافة وتطوير الموارد البشرية … ولذا انشغل صناع الرأي والقرار منذ سنوات في معمعة من ينبغي من له أن يتولى زمام الأمور في هذا البلد.

في العالم المتقدم يعتمد ممارسو السياسة على مراكز التفكير والتحليل والاستشارة لفهم أصوب للأوضاع وللبحث عن الافكار الايجابية التي تساعدهم.

إذن إذا تطوع في حالتنا مواطن له خبرة في الدراسات والإمعان والتفكير فينبغي للسياسيين وأتباعهم أن ينصتوا له ما دام لا يتحيز لطرف ولا يزايد على موقف ويقدم نقطة الالتقاء.

الأمل الجديد : كنتم من المشاركين في ندوة حول مفهوم الحوار عند المعارضة والموالاة نريد للقارئ أن يسمع تصوركم لهذا الحوار؟

ج: سوف نتناول الحوار كآلية للوصول إلى أرضية مشتركة بين الموالاة والمعارضة فيما يتعلق بالحوار بين الجهتين الذي تمخض عنه اتفاق داكار والحوار كمنهج للتسيير في الديمقراطية الحديثة وكمنهج يضبط العلاقة يين المعارضة والاغلبية في هذه الديمقراطية ، والحوار لتطبيق الحكم الرشيد:

أولا : الحوار بين الموالاة والمعارضة ، وتأسيسا على الحوار المتعلق باتفاق داكار أقول إن ذلك الحوار كان نجاحا وفشلا لموريتانيا في آن واحد، نجاح لأنه تمخض عن اتفاق وصيغة لحل أزمة هزت البلاد لفترة من الزمن ، وفشل للموريتانيين الذين لم يستطيعوا أن يوجدوا حلولا إلا خارج أرضهم وتحت رعاية أجنبية ، بينما كان المثالي أن يكون لنا من الحكمة والشجاعة والمسؤولية ما ننتج به حلولا على أرضنا وفيما بيننا بلا وسيط خارجي خاصة أننا كنا قبل ذلك قد وضعنا أسسا ديمقراطية أشاد بها وباركها العالم وكادت أن تكون نموذجا للاخرين فاذا بنا ننزلق الى مستوى المريض العاجز الذي يستجدي العلاج من الآخرين ..

وبسبب تواضع خبرة ساستنا ولكون المرحلة الانتقالية الأولى كانت هي المرجعية السياسية الوحيدة لديهم حين انطلقوا الى داكار لم يكونوا في حال يدركون به أن اتفاق دكار لم يكن حلا فحسب لتجاوز أزمتهم الداخلية وانما كان ينطوي مع ذلك على منهج تسيير للديمقراطية وآلية للحكم الرشيد وانه لا مناص عن الالتزام به نصا وروحا خاصة وأنه أصبح حدثا مترسخا في الذاكرة الدولية الجماعية. حيث أن عدم احترامنا التام للالتزامات التي تشهد عليها الدول يضر بسمعتنا ومصداقيتنا ويضيق هامش سيادتنا مستقبلا لدى كل هزة نتعرض لها لعدم مصداقية ما نلتزم به للعالم.

الأمل الجديد : الحكم الرشيد والديمقراطية الحديثة مفهومان جديدان هل لكم أن تقربوا لنا هذين المفهومين من وجهة نظركم؟

ج: نحن في موريتانيا نقصر الديمقراطية علي آلية الاقتراع ونقصر الحكم الرشيد علي محاربة الرشوة والاختلاس وهذا صحيح إلى حد ما ، ولكنه جزئي ومتجاوز فالديمقراطية أصبحت مفهوما شاملا لكل ما يحكم وينظم الاقتراع والعلاقة بين الاقتراع الاول والاقتراع المؤذن بانتهاء الفترة فيما بين اطراف أي ساحة سياسية وهذا هو ما يدعو إلى ضرورة وجود الحوار بصفة مستمرة كمنهج في تسيير النظام الديمقراطي الحديث وكآلية كذلك لتطبيق الحكم الرشيد.  والتسيير الديمقراطي اليوم اصبح يرتبط ارتباطا عضويا بالحكم الرشيد أي لا مناص من أن يتزاوجا وبسبب ذلك يتحتم أن يوجد للأغلبية والأقلية صيغة لا تسحق فيها الأغلبية الأقلية ولا تحتكر فيها الأغلبية القرارات وكل القرارات بلا تشاور مع الأقلية.

فليس منطقيا بالمفاهيم الحديثة للديمقراطية أن تحجب 4% هي الفارق في الاقتراع الأخير بين المرشحين ولا عادلا كذلك ولا مقبولا كما يتناقض مع حقوق المواطنين ان يدلوا برأيهم في تسيير وطنهم ويحرموا لان الطرف الاخر يتفوق ب 4%.

ومن هنا يكون الحوار في الحكم الرشيد ليس إلا شورى تحاول أن توجد إجماعا وإذا بعدت الشقة يكون في المسافة الفاصلة بين الطرفين الحل ، وفي حالة تعذر هذا وذاك تأخذ الأغلبية والسلطة مسؤوليتهما ولكن بعد الحوار والعمل على إنجاحه.

الأمل الجديد : من يحدد أجندة هذا الحوار ؟

ج : المسائل  التي يتحاور عليها مختلفة فهناك مسائل وطنية عظمى لا يمكن تسييرها إلا بالإجماع ، أي يحس الجميع انه يفهمها ويتملكها . إن قرارا يملكه الفرد لا يساوي أبدا ما يملى عليه؛ فعلى سبيل المثال – مكافحة الارهاب – مكافحة المخدرات – الأزمة الاخلاقية – اصلاح التعليم -… إلى غيرها، أمور ذات أهمية وطنية كبرى .. وكذلك يقدم لنا الحوار حلولا للحالة السياسية فيما بعد الاقتراع ولتطبيق نقاط اتفاق داكار ، أي ان الحوار يشمل كل ما يتعلق بظروف خاصة حساسة أو الأزمات . ويبقى الحوار هو الآلية الرئيسية للحكم الرشيد ولا يستغنى عنه في أي تسيير ديمقراطي حقيقي . ويجب أن يظل قائما بين الاطراف الداخلية ، وبين الاطراف الداخلية والمجتمع الدولي لأنه مع العولمة أصبح الحكم الرشيد منهجا عالميا والدولة التي لا توجد الحكم الرشيد بسبب الرشوة والمخدرات ومع كل قضاياها تضر بالأمن والانسجام العالميين وتوجد مبررا ذهنيا وقانونيا للمجموعة الدولية للتدخل في شؤونها.

إن سيادة الدول أصبحت منقوصة على حساب النظام العالمي الجديد وإذا سمح للعالم بالرأي والتدخل باسم الحكم الرشيد فكيف يحرم المواطنون بالرأي فيما يتعلق بهم . وإذن فالتسيير بمفهوم الحكم الرشيد يضيف فاعليْن آخريْن الى السلطة القائمة هما المنظمة الدولية والمنظمات السياسية المدنية ولا يمكن إيجاد اصلاح بمفهوم العالم اليوم بدون الحكم الرشيد.

الأمل الجديد : ما علاقة الحكم الرشيد بمحاربة الفساد ؟

ج: من الناحية الاقتصادية معروف ان المشاركة في الرأي والحوار من شروط الجدوائية والفعالية لنجاح سياسات الدولة وبالتالي فهذا سبب آخر لضرورة الحوار لان الديمقراطية تهتم بالمبادئ التأسيسية التي تسير عليها الامور بينما الحكم الرشيد يهتم بالنتائج وهذا ما جعلهما متكاملين فاذا طبقت المبادئ الديمقراطية ولم تعط أكلها فهذا يعني أن الحكم الرشيد لم يطبق لان الالتزام به يوجد ضرورة نتائج ايجابية والانظمة الفاسدة التي تصادم الحكم الرشيد ثلاث درجات:

1-  الديكتاتورية ويعتبر أصحابها السلطة والدولة ملكا خاصا لهم  وهذا النظام الفاسد لونه أسود

2-  النظام الفاسد من الدرجة الثانية يتدرج فيه الفساد حسب التموقع السياسي وتحدد الامتيازات المادية والمعنوية فيه بقرب الاشخاص من السلطة وفي هذه الحالة تصبح مقدرات الدولة كعكة متقاسمة وكل ما ضاقت دائرة المنتفعين كبرت حصة كل واحد وهذا النظام يحمل في طياته الفشل لأن الفاعلين في هذا النظام يعملون دائما على تقليل المقربين لتكبر حصصهم. وهذا النظام لونه رمادي.

3-  إما الفساد الأبيض فيرتبط بالادارة وهو فساد المواطنين الذين لا يملكون القرار وهذا هو اخف الفساد وهو الذي ندركه ويجري الحديث عن محاربته ونترك للأسف ما هو اشد.

الأمل الجديد : كلمة أخيرة؟

ج: بصفة مبسطة ووجيزة يجب ان يدرك أهل الحكم والسياسة ان هناك ثلاث مبادئ يرتكز عليها الحكم في الديمقراطية:

1-  النقاش السياسي لانه اذا لم يكن فيعني ذلك عدم الحرية والديكتاتورية والحوار يدخل في نطاق النقاش السياسي

2-  مؤسسات قوية معترف بها ومحترم قرارها والا فالفوضى

3-  العدالة في التطبيق والا فالليبرالية المتوحشة

واذا كان الحوار هو الذي سمح بايجاد اتفاق داكار الذي انهى الازمة الماضية بين المعارضة والسلطة القائمة في ذلك الوقت وهو نفسه الذي سمح للرئيس بالترشح والاقتراع والوصول للسلطة فلماذا من باب التجربة ومن باب المثل المأثور من رزق من باب فليلزمه ومن باب المصلحة العليا للوطن لماذا لا يحرص الأطراف جميعهم على الحوار ويعتمدوه منهجا واساسا.