Catégories
الحكامة الرشيدة

اقتراحات مبررة حول الإصلاح في إطار المراقبة و الرقابة من أجل الحكم الرشيد في مجال تسيير المؤسسات العمومية الموريتانية و مشاريع التنمية.

اقتراحات مبررة حول الإصلاح في إطار المراقبة والرقابة من أجل الحكم الرشيد في مجال تسيير المؤسسات العمومية الموريتانية ومشاريع التنمية.

ديسمبر 2009

إن هذا التفكير والمساهمات التي تليه لن تضيف شيئا للاختيارات والبرامج والأهداف التي حددها الدولة مؤخرا.

وبالعكس، فإنها ستعتمد عليها مع محاولة تحديد السبل والوسائل والطرق والمنهجيات الأكثر استنارة وفعالية لبلوغ الأهداف بأقل تكلفة سياسية واقتصادية.

وهل هذه المهمة قابلة للتحقيق؟

بلى! ولكن باستيفاء بعض الشروط المسبقة!

ومن المؤكد، أن النجاحات في هذا الميدان تظل نادرة وأن الإرادة التي عبر عنها، بجلاء، مكنت من خلق جو من الارتياح لدى كثير من السكان أو بعثت، على الأقل، آمالا كبيرة في أنفسهم.

إن الرجال والإرادة السياسية يمثلون عناصر أساسية لإنجاز هذه المهام وبلوغ هذه الأهداف، إلا أنها لم تعد كافية لوحدها.

وإن طريقة العمل ونظم التسيير المحكمة (غالبا ما تكون مهملة ضمن ثقافة شعب <<فيلسوف>> مثل شعبنا) تشكل أبعادا مهمة بنفس الدرجة التي تحتلها الإرادة السياسية والبشرية.

ولمحاربة الفساد، يوجد نوعان من المقاربات : مقاربة بناءة وإيجابية ومقاربة سلبية وقمعية.

ويرجع التفتيش والتدقيق والعقوبة إلى هذه المقاربة الأخيرة.

وهذه الطرق معروفة أكثر في موريتانيا.

وإذا ما تم تطبيقها، بصفة مفرطة، بغض النظر عن مقاربات الأنظمة، فإنها قد تنقلب في أذهان الناس إلى البحث السافر عن المجرمين.

وهذا النوع من الرقابة البعدية، يصطدم بالأمر الواقع إذ يأتي بعد تدمير الأسس الاقتصادية والمالية << والمعنوية>> (وهو شيئا ما نوع من الطبيب بعد الموت، خاصة في موريتانيا حيث يظل خلق <<المبررات>> والفواتير الغير صحيحة وغيرها… أمرا سهلا للغاية).

فالمقاربة بالأنظمة، تقتضي الاعتماد على أنظمة الرقابة الداخلية بينما يعمل الحكم الرشيد عن طريق الرقابة الداخلية على إدخال الفصل بين السلطات وتعدد الهيئات مما يجعل ممارسة سوء التسيير صعبة وحتى غير ممكنة بفضل وجود الحواجز التي يفرضها نظام الرقابة الداخلية.

ويمثل نظام الرقابة الداخلية نوعا من الوقاية.

ويجب خلط النظامين، إلا أنه يتعين علينا أن نضع أنظمة الرقابة الداخلية وحسن تسيير الاقتصاد والأموال العمومية نصب أعيننا.

وتندرج مساهمتنا، اليوم، في إطار المقاربة البناءة والرقابة الداخلية المطبقة في تسيير المؤسسات العمومية.

ودفعتنا عدة اعتبارات إلى اختيار حكامة المؤسسات العمومية كموضوع أول ومحور للإصلاحات :

  1. تاريخيا : ظهرت ممارسات سوء التسيير واستفحلت مع إنشاء مؤسسات عمومية مما كان له انعكاس وعدوى على الوظيفة العمومية. ونحن عليها لمن الشاهدين (اسمار، البنوك، سونمكس) التي احتلت الصدارة تباعا.
  2. ويتجلى ذلك بسهولة فيما يلي :
    • الأهمية النسبية للرواتب وعائدات العملات والامتيازات العينية الممنوحة لأطر شركات الدولة خلافا لتلك المعمول بها في الوظيفة العمومية مع الكفاءات المتساوية مما يسبب الغضب والشعور بالغبن والرغبة في أخذ الثأر من الدولة لدى مجموعة من المسؤولين والموظفين.
    • وجود دورات مالية قصيرة جدا ولا تخضع للرقابة المستمرة في المؤسسات العمومية.

فالمدير العام لإحدى مؤسسات الدولة هو السيد الوحيد للمؤسسة وشاهده الوحيد، إن كان له شاهد، هو محاسبه أو مديره المالي؛ ولم يعد مجلس الإدارة إلا غرفة رمزية للتسجيل ولعلاوات الحضور.

ومنصب الإداري يمنح عادة لشخص ليست له خبرة في مجال التسيير، لمكافأة وضعية ما أو تعويض نشاط خارجي بالنسبة للمؤسسة.

  1. والدولة التي استثمرت رؤوس أموال باهظة في هذه المؤسسات، غائبة كمساهم حيث لا تلعب الدور المنوط بها في هذا المجال ولم تفوض أي هيئة أخرى لذلك.

فالدولة – المساهم – التي تراقب ثرواتها واستثماراتها ليست موجودة!

وعليه، فإننا نرى، كل يوم، أن الهيئات القيادية والمرتبين والشركاء يتصرفون في شركات الدولة كأنها ليست ملكا لأي كان (شاة بفيفاء).

وفعلا، لا تقوم الدولة، بوصفها مساهما، بأية مراقبة ولا رقابة.

ولا وجود، حتى على المستوى النظري، للفصل بين تنظيم ومراقبة النشاطات والسوق، من جهة، والملكية والرقابة، من جهة أخرى.

  1. و بالموازاة مع هذا النسيان والتساهل للدولة المساهمة نلاحظ بالعكس أن شركات الدولة تعاني أحيانا من نسبة زائدة من التدخل في شؤونها والسياسات الغير شرعية التي تفرض عليها.
  2. تمتعت المؤسسات العمومية باستقلالية مفرطة سمحت لها بأن تحدد هي بنفسها بعد أهدافها وإستراتجياتها الداخلية والخارجية وكذلك التكاليف المتعلقة بهذه الإستراتجيات.
  3. ومن بين انعكاسات أخرى، جاءت نتائج مالية رديئة لتثقل كاهل ميزانية الدولة المساهمة ومديونيتها.
  4. إذا لم يتم اتخاذ الإصلاحات الضرورية، فإن الدولة ستكون، على الأمد الطويل، مرغمة على التخلي شيئا ما، عن المؤسسات العمومية التي بقيت بعد<<عمليات الخوصصة – التخلي >> لسنوات 1990 التي أضرت كثيرا بالاقتصاد الموريتاني.

وينبغي أن يظل القطاع العام في مستواه الراهن بل أن يأخذ حجما أكبر في بلادنا للأسباب الرئيسية التالية :

  • إن وجود مصالح جوهرية على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والإستراتجية، يبرر مساهمة الدولة في القطاعات التي توفر الخدمات العمومية مثل النقل والبريد والمواصلات والكهرباء وتوزيع الماء.
  • إن غياب المبادرات الحرة وموارد القطاع الخاص تفرض على الدولة، شيئا فشيئا، التدخل لتنمية بعض القطاعات الخصوصية.
  • إن القطاع الخاص، في سياق الأزمة العالمية للرأس مال الخاص، يتألف أساسا من المؤسسات الفردية التي بلغت الحد الأقصى من التنمية مما يسبب تقلص الاقتصاد، خاصة بفعل الاحتكار الذي تمارسه عن طريق البنوك التي تمكنت من امتلاكها.
  • إن حجم الوسائل الضرورية لانطلاق مشاريع تتعلق باستغلال بعض الموارد أو إنشاء بنى تحتية خصوصية يشكل مبررا آخر لحضور الدولة في القطاع الاقتصادي.
  • إن الدولة يلزمها استخدام مؤسساتها العمومية لبلوغ الأهداف السياسية والاقتصادية وحتى السياسة الجهوية بغية تخفيف الفوارق الكبيرة في مجال التنمية الجهوية.

ولسنا بحاجة أكثر إلى إثبات أن المؤسسات العمومية، في سياق موريتانيا الآن، تمثل أداة ضرورية للدولة، من جهة، وأنه من المفيد تحسين فعاليتها حتى لا تكون عالة على الدولة التي يفرض عليه، بحكم طبيعتها، أن تلعب الدور المنوط بها، من جهة أخرى.

ولن تكون المؤسسات العمومية فعالة في مجال النجاعة الاقتصادية إلا إذا تم وضع آلية مؤسسية وممارسات مرضية لحكامة المؤسسات.

وفعلا، فإن تحسين حكامة المؤسسات العمومية يظل أحد الأهداف الأساسية للسلطات العمومية الموريتانية الجديدة.

إذا ما تمكنت الدولة، كما نقترح ذلك فيما بعد، من أن تلعب دور المراقبة في مجال النجاعة التجارية والمالية، وأن تمارس حقوقها ووظيفتها كمساهم، بفرض ممارسات مثالية لحكامة المؤسسات، لا لمصلحة هذه المؤسسات فحسب، ولكن للمجتمع كله، فإن ذلك من شأنه أن يمكن من :

  • ضمان الحصول على الفعالية؛
  • ضمان مسابقة ومنافسة إيجابيتين بين مختلف المؤسسات العمومية وبين القائمين عليها، حيث يبحث كل واحد منهم عن إبراز أحسن النتائج في المردودية وفي النشاط وكذلك عن مقاييس تسيير جيدة؛
  • ضمان تثمين رصيد هذه المؤسسات مما يسهل ولوج أنواع التمويل المختلفة؛
  • الخ…

وعلى مستوى المقاييس الاقتصادية الكبرى  (Macro-économie)، فإن التحسينات المقترحة لصالح المؤسسات العمومية إذا تم تطبيقها بصفة جيدة، تهدف إلى :

  • تشجيع النمو الاقتصادي ورفع الإنتاجية؛
  • تشجيع الاستثمار والتشغيل؛
  • تسهيل ولوج الموارد المالية عن طريق فتح رأس المال أو اللجوء إلى المديونية عند الاقتضاء؛
  • المساهمة في وضع تصور حول ديمومة المؤسسات وتطهير الأموال العمومية؛
  • تشجيع المنافسة؛
  • المساهمة الإيجابية في مجال الحكم الرشيد العمومي والشامل، بفضل اعتماد الشفافية، بصفة أفضل.

ونظرا لما سبق، واعتمادا على اختيارات وبرامج الدولة في مجال الحكامة، وأتباع أخلاق المهنة بغية تسيير التراث العمومي، نرى أنه من مصلحة السلطات العمومية الجديدة أن تسير المؤسسات، بصفة مهنية، وفقا للتقارير الطيبة المعمول بها في مجال حكامة المؤسسات.

و عليه، فإننا نقترح فكرتين قد تسمحا بتنفيذ جملة من الإجراءات العملية والمؤسسية :

  • الفصل الواضح بين وظيفة المساهم والمهمات الأخرى المنوطة بالدولة؛
  • إعادة هيكلة مجالس الإدارة في المؤسسات العمومية وبصفة ملموسة فإن إنشاء <<هيئة التنسيق – أو المساهم>>، قد تساهم في وضع سياسة فعالة لدور المساهم.

ونتناول أخيرا، إجراءات تعيين مجالس الإدارة والسبل الكفيلة بضمان الشفافية في هذا المجال.

اقتراح 1

الدولة المساهمة : يتم تجميع وظائف المساهمة في هيئة واحدة بإنشاء << هيئة التنسيق – أو المساهم >> في المؤسسات العمومية تابعة للرئاسة أو للوزير الأول الذي يعنى بالإشراف على نشاط مجالس الإدارة.

وفي إطار البحث عن إعادة التأسيس والتوضيح، يجب على الدولة أن تتحلى بسلوك المساهم المستنير، المسؤول والنشط وأن تعيد تحديد استراتيجية مساهمات واضحة ومنسجمة.

وهذا من شأنه أن يسمح بتفعيل حكامة المؤسسات العمومية، بصفة مهنية وفعالة :

  • لبلوغ هذا الهدف يصبح من الضروري وضع هيكل يضم جميع وظائف « المساهمة » أو على الأقل هيئة تعنى بالتنسيق. وبهذا يمكن، داخل الإدارة، تحديد الحقوق المتعلقة بوظيفة المساهم، بصفة واضحة.
  • هذه الهيئة التابعة لرئاسة الجمهورية أو للوزير الأول (على الأقل) يجب أن تقيم علاقات محددة، بصفة واضحة، مع الهيئات الأخرى المعنية في الإدارة (وزارة الوصاية – وزارات الاقتصاد والمالية) وأن ترفع تقريرا لرئيس الجمهورية والهيئات التمثيلية مثل البرلمان.
  • ولتلعب دورها بفعالية، يحق لـ << هيئة التنسيق – أو المساهم >> هذه أن تتمتع بهامش من المناورة يسمح لها بتحديد نمط تنظيمها وكذلك باتخاذ قراراتها، في الوقت المناسب.
  • يجب على << هيئة التنسيق – أو المساهم >> أن تعد كتبا للمساطر ومنهجيات شفافة للتعيين في مجالس الإدارة للمؤسسات العمومية وأن تساهم، بصفة نشطة، في تعيين هذه المجالس وأن تتمكن من إنهاء مأموريتها، عند الاقتضاء.
  • يحق لـ << هيئة التنسيق – أو المساهم >> أن تمثل الدولة بوصفها مساهمة وأن تمارس الحقوق المتعلقة بالأسهم التي تملكها، بالتعاون مع المصلحة القانونية لكل شركة توجد فيها أسهم معتبرة للدولة.

و تشمل الصلاحيات الرئيسية لـ << هيئة التنسيق – أو المساهم >> ما يلي :

  • المشاركة في الجمعيات العامة للمساهمين وممارسة حق التصويت المنوط بمساهمة الدولة؛
  • وضع نظم وآليات لبث المعلومات يسمح بتقييم فعالية ونجاعة المؤسسات العمومية، بصفة منتظمة، عن طريق المقارنة بينها وترتيبها حسب نجاحها على أساس مقاييس تحددها << هيئة التنسيق – أو المساهم >> للمؤسسات العمومية، بصفة مسبقة؛
  • إجراء حوار مستمر مع خبراء التدقيق الخارجيين والهيئات الخاصة برقابة الدولة؛
  • السهر على أن يحظى جميع المساهمين بمعاملة متساوية ومن الاستفادة من ولوج آليات فعالة للتظلم، عند الاقتضاء؛
  • السهر على أن توفر المؤسسات العمومية أكبر نسبة من الشفافية لجميع المساهمين وأن تعتمد إستراتجية ديناميكية للاتصال بهم والمشاورة معهم.

المقترح 2

مهنية مجالس الإدارة للمؤسسات العمومية وإعادة هيكلتها.

وهذه المهنية تتجلى فيما يلي :

المهمة التي يجب إسنادها لمجلس إدارة إحدى المؤسسات العمومية، تتمثل في ضمان وظيفة القيادة الاستراتيجية ومراقبة الإدارة العامة.

ويتعين على مجلس الإدارة أن يتصرف بكل نزاهة وأن يكون مسؤولا عن القرارات التي يتخذها.

وعليه، فإن مجلس إدارة إحدى المؤسسات العمومية يعنى بالأمور التالية :

  • أن يتمتع بمأمورية واضحة وأن يصادق، في التحليل النهائي، على نتائج تسيير المؤسسة العمومية.
  • أن يرفع تقريرا لملاك المؤسسة عن طريق << هيئة التنسيق – أو المساهم >> في المؤسسات العمومية.
  • أن يعمل لمصلحة جميع المساهمين وأن يعاملهم بصفة متساوية.
  • أن يحكم بصفة موضوعية ومستقلة.
  • أن يتألف من إداريين مستقلين ليست لهم وظائف قيادية في المؤسسات.
  • أن يعتمد مسطرة شفافة لتعيين جميع أعضاءه وفقا للمعايير التي تحددها، بصفة مسبقة، هيئة المساهمين المكلفة بالمراقبة.
  • أن يكون منفتحا لاستقبال مساهمات من ممثلين عن المرتبين.

ويجب أن تسند رئاسة مجلس إدارة إحدى المؤسسات العمومية لشخص يتمتع بكفاءة مؤكدة لضمان تنفيذ هذه المهمة الأساسية.

ويظل من المستحسن أن تبقى هذه الوظيفة مستقلة عن الإدارة العامة.

يتعين على مجلس إدارة إحدى المؤسسات العمومية أن يمارس مهمة المراقبة والإدارة والقيادة في إطار الأهداف التي تحددها الحكومة و<< هيئة التنسيق – أو المساهم >> التي تم ذكرها آنفا.

وعند الاقتضاء، يمكن لمجلس الإدارة أن يعين لجانا متخصصة يعهد إليها دور المساعدة بغية ضمان إنجاز مهامه الأساسية.

ويمكن تشكيل هذه اللجان للقضايا التالية، بالخصوص :

  • التحقيق والحسابات
  • التعيينات
  • أخلاقيات المهنة.

يجب على مجلس إدارة إحدى المؤسسات العمومية أن يقوم بتقييم النجاعة التي قد تقوم <<هيئة التنسيق – أو المساهم >> هي، أيضا، بتقييم مضاد له، وبإجراء المقارنات ووضع الدرجات اللازمة بغية رفعها إلى رئيس الدولة ضمن تقرير سنوي.

يتعين على مجالس الإدارة، بالتعاون مع << هيئة التنسيق – أو المساهم >>، أن تعد وتنفذ برامج تتعلق  باحترام مدونة أخلاقيات المهنة الداخلية وأن تشعر بذلك الهيئات المعنية.

فيجب على الدولة أن تترك لمجالس إدارة المؤسسات العمومية مجالا لممارسة مسؤولياتها وأن تحد من التدخل، بصفة مباشرة، في شؤونها.

فلا يحق للسلطات العمومية أن تتدخل في التسيير اليومي للمؤسسات العمومية بل يجب عليها أن تترك لها قدرا كافيا من الاستقلالية لبلوغ الأهداف المرسومة لها حتى يتسنى لها أن تحكم على نتائج تسييرها، بصفة موضوعية.

إن آلية منح رواتب وامتيازات أعضاء مجالس الإدارة في المؤسسات العمومية ومستواها، يجب أن يكون ملائما لمصالح المجتمع على المدى الطويل وفي نفس الوقت قابلا للمنافسة، بصفة كافية، بغية جذب المهنيين الأكفاء والمحافظة عليهم.