Catégories
الحكامة الرشيدة بحوث

الحوار الأعرج لفساد موريتانيا أو لبنائها؟

الحوار الأعرج لفساد موريتانيا أو لبنائها؟

سبق وأن صممنا مقترحا للدول ذات العجز في الموارد – والتي من بينها بطبيعة الحال بلادنا – يدعو إلى تعبئة القوى السياسية لتحقيق البرامج والسياسات التي تعبر عن رجحانها صناديق الاقتراع بعد كل انتخابات رئاسية، وبعبارة أخرى نظاما شاملا للديمقراطية الاحتوائية، وكان ذلك في عام 2008.

ولن أطيل الحديث عن هذا المقترح النموذج الذي قدمته آنذاك ولايزال محفوظا لدى المواقع الألكترونية الموريتانية كما أنه موثق بالتسجيل صوتا وصورة لدى التلفزيون الوطني وقناة العربية الدولية…

هذا المقترح كاد في حينه أن يجد طريقه للتطبيق لولا أنه حرف في مرحلة التنفيذ مما فتح الباب (لتسيد؟) نظام هجين لاهو الديمقراطية الكلاسيكية التي لاتنطبق علينا بلا شك ولا هو الديمقراطية الاحتوائية التي يدعو لها مقترحنا.

وبهذا جمعت الصورة المنفذة في واقعنا السياسي أسوأ ما في النظامين وتشكلت أغلبية محبطة في سباق تنافسي مع المعارضة التي قفزت إلى قطار السلطة في ذلك الوقت وظهرت المعارضة التي لم تشارك في الحكومة أكثر راديكالية وعدائية أمام المعارضة المشاركة.

ومن المفارقة أن الأزمة التي نشبت جراء تطبيق الديمقراطية الهجينة (نصف احتوائية) لم تتسنَّ تسويتها بغير الديمقراطية الاحتوائية الكاملة.

وذلك ما تم ظرفيا حتى سمح بالخروج من الأزمة نسبيا في فترة انتخابات 2009 وقبول ما صاحبها من حوار احتوائي كما في نصوص اتفاق داكار…

ولم يدم الهدوء إلا فترة الحملة الانتخابية (أقل من شهر) وعادت بعد ذلك الثقة أدراجها .. وسرعان ما انقطع سلك النظام الديمقراطي الاحتمائي ليعود إلى نقطة الصفر (الانطلاق) وبات النظام الجديد يستطعم انتصاره ووجوده الذي كاد العالم أن يلفظه بالرفض.

في ذات الوقت لم يسنح للمعارضة إجازة شرعية هذا النظام ونادت بتزويره للانتخابات بشتى أنواع التزوير الكيفي والكمي. مما تولد عنه استحالة الحوار وأدى ذلك إلى الانسداد السياسي.

ودخول البلد في هذا الانسداد لحظة الخروج من الأزمة يعني أنه لم يستكمل نقاهته وبالتالي فارقته صحته.

وتنافرت الجهود فأصبحت وقودا للأزمات وبدلا من التسيير التوافقي كما كان في مرحلة الانتخابات وبدلا من الإقبال على حوار احتوائي – كما في اتفاق داكار – غاصت موريتانيا في الوحل أكثر فأكثر..

ودفعنا ذلك إلى أن ننشر في الصحافة نداء للسلطة والمعارضة من أجل حوار وطني احتوائي شامل.

وها هو قد مر على ذلك النداء 666 يوما ولا يزال ذلك النداء في أرشيف المواقع الألكترونية حتى الآن وفي واجهة موقع : pointschauds.info وكان نداء فريدا من نوعه حيث أنه يدعو الطرفين من على فاصل متساو من الإثنين.

… هنالك حوار أجري آنفا بين السلطة وبعض (أحزاب المعارضة) وبدلا من أن يضم الجميع ضم البعض، وبدلا من يضع حدا للأزمة فاقمها.

إنه التاريخ يعيد نفسه.

التزمت الصمت منذ 666 يوما فلم أر إلا رحى الأشياء تدور على نفسها في بلد يتخبط في أزمة لاسابقة لها.

التزمت الصمت بالرغم من أنني متألم من وطني.. من جيرتي.. من عشيرتي.. متألم..

أسألكم ألا تتألمون مثلي من هذه المواقع؟ إن كنتم كذلك فقد ولت ساعة الصمت ودقت ساعة كلمة الحق مرة كانت أو سائغة.

ولذا عدت من أوهام الوردية إلى الواقعية متسلحا في النزول إلى الميدان بما استخلصته من سنوات الصمت وشهور انتظار الفارس الأبيض.

لإدراك ما سيحصل يكفي معرفة ما يجري

إن الاقتصاد والسياسة فرسا رهان في أزمة هذه البلاد المخنوقة ماليا واقتصاديا والمشلولة مؤسسيا وسياسيا والمهددة بالمجاعة والجفاف والمقحمة في حرب خاصة بلا مسمى، إن لم تكن حروب.

إن التصاعد المذهل للمنتجات البترولية والمواد الاستهلاكية الضرورية تحد من المداخيل المحدودة أصلا أو لاموجودة في بلد زراعي تنموي يتهاوى بين سندان الجفاف ومطرقة الحرب على الحدود.

ولست هنا بصدد جرد مآسي موريتانيا الراهنة.

موريتانيا أصبحت قاعة انتظار فسيحة تتزاحم فيها المشاكل والمطالب مع أولويات الإصلاح.

الأزمة إذن محيقة والمشاكل بلغت الذروة، والغضب يجر إلى العنف.

كم من استغاثة طالبت بتلافي الأخطاء والمظالم، كم من صرخات التنديد تلاشت في ضوضاء المظاهرات والانتفاضات والقذف والمسيرات والانتحارات التي لم يعرفها مجتمعنا إلا على أسور رئاستنا الجديدة في موريتانيا الجديدة.

والأدهى من ذلك تصدع اللحمة الاجتماعية وتهديد المجتمع بالانفراط.

لنتذكر حكومتكم التي بتصريحات طفيلية – بلا جدوى – أشعلت الجامعة مرتين وأدت إلى أحداث عنصرية كادت تعصف بالوحدة الوطنية لولا تدخلنا وبعض الوطنيين بمبادرات خاصة شكلت دور الإطفائي.

حكومتكم مسترسلة في تشييد البركة التي ستغرق فيها وتوجه مجهودها لإخماد الفتن التي تثيرها في المعهد العالي!!

لن تتضح الرؤية أكثر من الآن لقراءة هذه الظروف وبالرغم من ذلك تدفن الحكومة رأسها في الرمال لتجاهل الواقع وتجاوز الواقع، إن الواقع أخرق وأخرق منه من يتجاهله وتغني حكومتكم لكم بصوت نشاز كل شيء تمام وعلى ما يرام ولا مشاكل ونستطيع أن نجري انتخابات المستقبل دون النظر إلى النار التي تأتي على البيت والخيمة والعريش.

إن الصراحة والواقعية هما لحن هذا الزمن ولا يمكن أن نخفي على المواطنين إلا الصفحة الأخرى للقمر,

حكومتكم تجعل من الدكاكين حجر الزاوية لسياستها الاقتصادية والاجتماعية، والسياسة لاتكون أبدا بالدكاكين.

إن الدكاكين أكثر ما تكون في صالح الموردين الذين تتاح لهم طلبات بالمليارات على طبق من ذهب على حساب زبائنهم الذين لايستطيعون الشراء إلا بكميات ضئيلة. وهذه الدكاكين أيضا منافسة غير شريفة للدكاكين الأخرى التي يملكها تجار آخرون فقراء أو متوسطون.

لو كنا نستطيع بالدكاكين والبيع المحدود تسوية المشاكل لم يفلس الاتحاد السوفييتي ولا دول الشرق التي هي أقوى منا.

كان الأجدر بنا اتباع سياسات أخرى حكيمة ملحة بدلا من سياسات الدكاكين الغير مدروسة ولا مراقبة ولن تزيد على أن تزيد الفضائح بدلا من القضاء على المجاعة، ويبقى ما للدكاكين للدكاكين وما للسياسة للسياسة، لولا أن الأدوار لدى حكومتكم مقلوبة. حكومتكم لاتميز بين الوعود الانتخابية والسياسة.

السياسة تتطلب رؤية وتخطيطا عاما وشاملا وتطبيقا ديناميكيا حول أهداف عامة للوصول إلى نتائج عامة وملموسة ويجب أن تتناغم مع المصلحة العامة وليست هي ردة فعل ميكانيكية، كما أن الوعود الآنية أو الظرفية أو الفئوية المعلنة مرتجلة كانت أم لا، لايمكن تسميتها ببرنامج رئيس، وإنما تظل وعودا انتخابية ، حكومتكم أصبحت بين فك الوعود الانتخابية وفك المطالب المالية مكموشة عن التخلص لتسيير شؤون البلاد.

إن الربيع العربي على سبيل المثال والحروب على الحدود الشرقية والجفاف فصول من الأحداث والمنعرجات ما كان يمكن تصورها إبان الحملة الانتخابية ولم يتطرق لها أي برنامج سياسي.

ذلك أن المستقبل أوسع خيالا من السياسيين والسياسة فن التوقع والاحتياط والتكيف في نفس الوقت التي هي معرفة القرارات المفيدة في الأوقات الحرجة وتشاور النظام مع مواطنيه اتفق أو اختلف معهم مع الاعتماد على الكفاءات النزيهة.

ويعلم الجميع أن هذه الوعود الانتخابية التي تنجز بأموال الموريتانيين وخلف ستار مصالح خصوصية تجارية محلية سياسية شخصية عائلية، ورائحة الولع بالمال العام أصبحت تشوه العمل العام.

حكومتكم تقول إنها تتخذ من محاربة الفساد والرشوة ميدان حربها كأنها لاتعرف أن فقه الحكم الرشيد الذي أنتجه نظام الأمم المتحدة ومنظمات الشفافية العالمية أعطى ثلاثة ألوان للفساد حسب خطورته(الأسود والرمادي والأبيض) الفساد الأسود وهو أخطرها هو فساد أهل القرار والسياسة (الرئيس ، الوزراء، البرلمانيين) الذين يسخرون القانون والدستور ليس للمصلحة البديهية للأمة إنما لمصالح خاصة وشخصية.

أما الفساد الرمادي فهو الاعتماد في الإدارة من مسيري الشأن العام على مظفين يتنقلون بين تمثيل المصالح الخاصة المحلية والوطنية والوظائف العمومية.

قوموا أنتم بالجرد.

أما الفساد الأخير والأضعف فلونه أبيض ويعرف بعمولات من تحت الطاولة، وأذكر أننا في مناسبة منتديات الحكم الرشيد قدمنا مقترحا من 62 بندا لمكافحة الرشوة سلمناه للمعنيين مباشرة وعن طريق الصحافة، ولكن لاحياة لمن تنادي..

قدمنا أيضا تأملات عميقة على المراقبة القَبْلِيَّة والوقائية لميزانيات شركات الدولة، فلم تك الحالة أحسن من سابقتها، كما أن حكومتكم – حسب علمي – لم تشرع قانونا ضد الرشوة كما في أكثر دول العالم وإنما اكتفت بسجن خريج أكبر مدرسة فرنسية (صنترال) في أكبر سجن في البلاد (سجن دار النعيم) ولا شك أنه الوحيد من خريجي هذه المدرسة المسجون.

هل إن مكان الكفاءات لدى حكومتك هو السجن؟ أليس فساد الموارد البشرية نوعا آخر من الإفساد؟

حكومتكم جعلت من التمييز اكتشافا ومرة يكون سلبيا ونوعا إيجابيا ولكن الحقيقة أن التمييز كله سلبي ومخجل ولو كان في صالح الفقراء فهو ليس ديمقراطيا ولا جمهوريا ويورث تأنيب الضمير لضحاياه والمستفيدين على حد سواء.

نحن شعب شريف ولو أعمى بعضنا حب الفتات وأزمتنا لاتحل بالصور الاستعراضية ولا بالجمل الرنانة المفصلة على ماس السامعين والصور المكبرة ولا توزيع الشتائم التي غالبا ما تكون سلاح المشبوهين وفي مجتمعنا ظل السباب سلاح التافهين وفاقدي الثقافة.

كيف نسير البلد بحوار أعرج

بلدنا في أزمة قد تفقدنا التحكم والسيطرة هذه الحقيقة الأولى. وقد نخرج من الأزمة حقيقة ثانية ولكن الخلاص يتطلب تكاتف الجهود وهذه الحقيقة الثالثة. وبالتالي فواجب النخبة أن تنير الدرب للشعب والسلطة وتسحبهما خلف رؤية تجديدية تخرجهما من الخندق وتمكنهما من التغلب على الأزمة.

وذلك ممكن بالاعتماد على مسألتين:

المسألة الأولى: بداهة الوقائع (الواقع)

المسألة الثانية: إجماع النخبة

هذان المحركان كفيلان بالخلاص.

لقد كنا نتوقع من هذا الحوار أن يسير بهذين المحركين ولكن للأسف دار الحوار بما يستثني منسقية المعارضة وزعيم المعارضة ففاجأنا ببدايته وأصابنا بالخيبة بنهايته.وجاء حوارا مليئا بالشوائب بعض نتائجه تشكل تقدما في بعض المجالات وبعض نتائجه اكتفى بأن لايقول شيئا بعض نتائجه مضحك والبعض غرد خارج السرب فتمت السخرية.

وإذا توقفنا أمام المصطلحات فهذه كلمة « بعض » تكررت هل يعقل أن يتعلق مستقبل بلد ودستوره بكلمة بعض ثم نقول حوارا وطنيا تم « بالبعض » دون « البعض »، إنه حوار تم بالإقصاء والانتقاء والانغلاق، إنه الحوار الوطني الاحتوائي الهجين والتاريخ يعيد نفسه.

هذا الحوار يشبه مفاوضات التراضي ويثير من المشاكل أكثر مما يحل، الحوار مع المعارضة ينبغي أن يقوم على احترام المعارضة لا على تجزئة أوصالها بالبتر أو الاستئصال أو الجراحة فاحترام الديمقراطية باحترام من تحاوره.

ولدي وصفة كفيلة بذلك وهي أن النظام يتخيل نفسه في محل المعارضة هل يقبل أن تحاور المعارضة جزء منه في حين أن جزءه الآخر مقصي في حوار وطني يراد له أن يفضي إلى تغيير الدستور كما ينبغي أن يستشعر أن إخوته في المعارضة يكملونه اليوم وربما يخلفونه غدا.

في النظام الديمقراطي يتحول الحزب من السلطة إلى المعارضة ومن المعارضة إلى السلطة باستثناء أولئك الذين لم يفعلوا في حياتهم إلا القفز على الظرفية.

الحوار الوطني ينبغي أن يكون هدفه الأخير التوصل إلى الإجماع وما دام لم يجر إلا بين جزء من النخبة وجزء من ممثلي الشعب فليس هذا حوارا تقرر به طريقة جديدة لمشية موريتانية إلا أن تكون عرجاء، هذا الحوار خطوة خاطئة.

هذه المشية لاترفع شأن موريتانيا في العالم ونحن بحاجة لأن نكون مثلا أعلى لاحالة خاصة.

موريتانيا التي استطاعت أن تحاور فرنسا وتنتزع استقلالها بالحوار وموريتانيا التي من بعد ذلك بنفس الطريقة راجعت اتفاقياتها مع المستعمر وموريتانيا التي استرجعت تيرس الغربية بالحوار من قوة عظمى لاتستحق هذا النوع من الحوارات، موريتانيا التي منذ أربعين سنة عن طريق الحوار بين السلطة عن طريق أممت الحوار شركة ميفرما تأميما كاملا وأصبحت شركة اسنيم التي تساهم في اقتصاد البلد بما لايخفى من بيع الحديد إلى جانب 3% فقط من ذهب تازيازت وإلى جانب نسبة لانعرفها من معدن لانعرفه تحت حقيقة نجهلها تسمى MCM.

تم سك العملة الوطنية وأنشئ البنك المركزي إنجازات قيمة تمت في زمن كان هذا النوع من التحاور موجودا قبل 35 سنة، أبعد ذلك تستحق حوارا أعرج يتمخض جبلا فيتولد فأرا.

موريتانيا التي شاعت بحوارها المسالم وذكاء أبناءها لم تولد في هذه السنة الشهباء 2011 تاريخ هذا الحوار.

الفلاسفة قالوا بأن من لاماضي له لاحاضر له، فهل يعقل أن يكون حوار من عمره 50 سنة أقل فائدة من حوار موريتانيا وليدة أو يافعة في سن الثالثة عشر.

ينبغي أن نتوقف عن إفساد موريتانيا ولنعد بناءها – رحم الله المختار ولد داداه – موريتانيا ليست للبعض، موريتانيا للجميع.