Catégories
إذاعة محاضرات ومقابلات

إذاعة التنوير: الموضوع الديمقراطية

السؤال: ما حقيقة الديمقراطية في مفاهيمها الأصلية وفي تطبيقاتها الناجحة؟ وما العقبات التي تعيق شعوبنا عن التمتع بمزاياها؟ ما السبيل إلى درجة من الوعي تتيح للشعوب في الدول النامية حق التصرف الجماعي في شأنها بلا إكراه؟

نريد أولا: أن نعرف كلا من الديمقراطية والديكتاتورية مفهوما وممارسة

لتوضيح مفهوم الديمقراطية التي نهتم بها ونحتسب أننا نطبقها في حين أن مفهومها لدينا مفهوما غامضا في الأفق الذهني، وقد يكون مرد ذلك إلى أننا سمعنا عنها الكثير في إفريقيا وبلادنا قبل أن نحاول أن نعيشها ونربح من امتيازاتها وأصبح الجميع تبعا لذلك يظن بخلاف الواقع أنه يعرف الديمقراطية وأنه يتشبث بها، ولأجل ذلك قل الحديث عن الديمقراطية بل إن كل واحد منا أصبح لديه مفهومه الخاص للديمقراطية أو جهله الخاص بتصوره للديمقراطية ولا يحس به أو يحس بجهل الديمقراطية ويخفيه عن الآخرين، وأظن أن الإعلام أنار للناس كثير من المجالات باستثناء هذا المجال الذي يندر اهتمام الإعلام به، والبحث فيه لينير الرأي العام وينير المهتمين به وغالبا ما يقتصر الإعلام على لفظة الديمقراطية وأظن أن هناك عاملا آخر هو كون الديمقراطية جاءت للأنظمة في إفريقيا بالإكراه ولذا قل الحديث عنها والذين لا يحبذونها لا يريدون للناس أن يعرفوها، أما الذين يقدسونها فيدعوهم تقديسها لعدم تناولها وقد لا يرون نواقصها.

وفي الحقيقة لمساعدة الناس على فهم الديمقراطية نلخص في مسألتين:

الأولى أن الشعب في سن الرشد (البالغ) ينبغي أن يراعى خاطره ومراداته وبالتالي يكون حرا فيما يود أو أن يريد أن يطبق في بلده وهذا يتوافق مع ثقافتنا ففي المثل نقول « إن البالغ يقدم جبر خاطره على مصالحه » وبالتالي الديمقراطية تأتي لتساير رغبات الجماهير وتجبر خواطرهم، إلا أنها تحد في الوقت ذاته من الحرية نوعا ما فيما يتعلق بالهم العام وهذا يعني العمل أن تكون رغباتهم في اتجاه ما هو صالحهم العام وذاك هو ما يبرر وجود الأحزاب السياسية والطلائع والمثقفين فهناك أهل حكمة وتجربة ينبغي أن يبذلوا جهدا لكي يبينوا للناس ما فيه مصالحهم في انتظار أن يختاروا لأن الخيار يبقى لهم، وبالتالي فهذا العمل متكامل فمن جهة هناك حرية فلا يراد بنا ما لا نريد في الحال الذي يبين لنا ما يضرنا وما فيه منفعتنا وخاصة ترتيب الأولويات، هذه هي ركائز الديمقراطية بتبسيط يتناول فهم الجميع.

الصبي وغير البالغ لا يراعى خاطرهم أما البالغ فتنبغي مراعاة خاطره بدون إغفال واجب تبيين مصالحه ومساعدته عليها.

فالجهل والأمية هم شاغل الناس اليومية كلها أسباب إضافية ساهمت في عدم إجلاء الغموض عن مفهوم الديمقراطية.

أما الديكتاتورية فطابعها الأساسي عدم مراعاة خواطر الناس، فصاحب السلطة يفعل ما يروق له فقط أحب الناس أم كرهوا وعادة يسوقه تحت شعار المصلحة العامة وغالبا ما يكون يصب في مصالحه هو وحده رغم أنه يظهر للناس أنه يخدمهم.

وما قلنا هنا يتوافق مع الإسلام والثقافة الإسلامية لأنها فصلت بين البالغ المكلف وغير البالغ وفي الإسلام لا إكراه في الدين الذي هو أهم ما في الحياة فإن كان المولى جل جلاله لا يكره عباده على دينه فكيف يستساغ أن يكره بشر الناس على ما يريده، وبالتالي فلا شك أن الديكتاتورية منافية للأخلاق ومنافية للدين وهلم جر.

وهكذا فالدكتاتورية تتنافى من هذه الحيثية مع الإسلام في حين تتلاقى معه الديمقراطية كما في قوله تعالى {وأمرهم شورى بينهم}.

وللديمقراطية إلى تفحصنا أربع مكونات أساسية هي:

1 ـ التعددية وهو القبول بمبدأ تعددية الناس في الآراء والتفكير ومن ذلك حرية الصحافة والأحزاب والرأي إلى غيره.

2 ـ المنافسة وفي إطار هذه التعددية يبرز التنافس في الأفكار فالأحزاب في الحملات الانتخابية يوفر لها جو التنافس لإبداء أفكاره وبرامجها في الشأن العام فالأحزاب في الديمقراطية مبنية لا على الفرد ولا الفكرة وإنما الهم المشترك والولوج إلى كل ما فيه المصلحة ودرء المفسدة فينبغي التنافس ليعرف من يقنع الناس بما عنده ومن يعطوه خياراتهم بالتصويت.

المكون الثالث لانتخابات والطريقة التي يجسد بها ما قيل سابقا يكون الانتخاب ولاقتراع العام

المكون الأخير الدستورية إن المجتمع مع التعدد والتنوع والاختلاف ومبدأ قبول التنافس والتنافسية يرجع إلى مقدس هو الدستور وهذه المكونات هي مكونات تأسيسية للديمقراطية، وتعتبر مكونات جامدة وتحتاج في أوقات معينة إلى ديناميكية حية لتحريكها ولذا فهي مرتبطة بأمر خامس هو الحكم الرشيد وهو ما نفتقده في إفريقيا وقد يوجد تنوع ومنافسة ودستور وانتخاب رئيس لمأمورية ولا يوجد حكم رشيد يتماشى مع مبادئ الديمقراطية التي إنما يراد منها الحكم الرشيد وهذا هو ما يجهله أهل هذه البلاد، وقد سمعت نائبا في البرلمان يقول « الأغلبية تحكم وعلى المعارضة المعارضة »، أي إطلاق لمن يحكم وكف من لا يحكم؛ « لا »، هناك الحكم الرشيد الذي إذا كان الحكم حكم فساد وسفه فذلك ليس حكما ديمقراطيا فلا يعقل أن ينتخب شعبا رئيسا ليفسد عليه وبالتالي فمبادئ الحكم الرشيد لابد أن تصاحب الديمقراطية وفي هذا النطاق ينبني الحكم الرشيد على مسألتين على مسألتين جوهريتين:

1 ـ أنه في تسيير الديمقراطية يعمل على تكثير أحكام السلطة وأقطاب القوة فتكون متعددة لكي يكبح بعضها البعض عن الانفلات في أنانيته فيضمن ذلك التوازن فإذا لم توجد الأقطاب المتعددة فإذا التوازن لا يوجد ومن باب أولى الديمقراطية لأن تلك التعددية التي ذكرنا والتنافس لم يعد له مجال عملي يتجلى فيه.

2  ـ العمل في الديمقراطية أن لا يكون هناك صدام بين هذه الأقطاب فنستطيع أن نسير أمور البلد مع تعددها ومع قوتها ومع اختلافها بما لا يؤدي إلى التصادم لأن الديمقراطية إنما جاءت لتحول دون التصادم بين الناس وأذكر أنه في الأيام التشاورية تطرق الحديث إلى الحكم الرشيد والغريب أن الحاضرين المحاضرين وغيرهم من المثقفين لا يعرفون معنى الحكم الرشيد ودفعني الحياء إلى أن أحكم ورقة لأحدهم عن الحكم الرشيد فلم يتجاوز حديثه حد التعريف فبغياب الحكم الرشيد لا تحصل الديمقراطية ولا تكون لها فائدة وفائدته الوصول إلى أحسن جدوائية وأحسن نتيجة ولهذا السبب عادت علينا الديمقراطية بضرر أكثر مما عادت علينا بنفع الديمقراطية لم تساير بالحكم الرشيد وهنا ألخص مبادئه الأساسية في تسع نقاط:

1 ـ وجود مؤسسات للديمقراطية محايدة فلا من طرف محايد وقوي للعملية الديمقراطية

2 ـ تسييل وبث المعلومة في التسيير وكل الشؤون للناس

3 ـ الشفافية في الآلية والقرارات والعمل

4  ـ مشاركة الفاعلين جميعا في السياسية والانتخابات

5 ـ تسيير معقلن للموارد

6 ـ الاعتماد على القدرات والخبرات بدلا من الزبونية والاعتبارات الأخرى

7 ـ واجب تقديم الحصيلة بالإنجاز للإعلام

8 ـ النزاهة

9 ـ احترام حقوق الإنسان

فإذا لم يطبق هذا أصبحت الديمقراطية في الواجهة وغير فعالة ولا تستطيع التقدم فالديمقراطية المترافقة مع الحكم الرشيد يسلبها معناها ونتيجتها يطبقه وتتبناه وما يكون فعالا أم الآخر فهو ديكتاتورية مغلفة بالديمقراطية.

سؤال في نظر الكثيرين أن نعيش في دولة ديمقراطية وهناك من يرانا نسير في طريق الدمقرطة وهناك وأظنني سمعت ذلك منكم من يقول بأننا شعوب معوقة عن الديمقراطية فما هي هذه المعوقات؟

الجواب نحن في الحقيقة من خصوصياتنا أننا في علاقتنا بالدولة الحديثة نرفع شعارا ونعمل بعكسه ولأن الديمقراطية وليدة الدولة الحديثة وقد وردت إلينا من الخارج وفرضت على أنظمة عسكرية فرضا لذا قامت هذه الأنظمة الدكتاتورية بالتوشح بها مع تقليم أظافرها لتكون ديمقراطية في العلن ديكتاتورية في الخفاء فليس من المعقول لدى الانقلابي أن يفوض سلطة مطلقة كانت لديه إلى الشعب.

المعوق الثاني أن الديمقراطية تحتاج إلى القوة فيجب إلى جانب قوة السلطة أن تكون المعارضة قوية والشعب قوي والبرامج حية…الخ.

والقوة لا تصح في الدولة الحديثة من دون المال ولو كان ذلك ممكنا لأمكن للتجار وهم أصحاب رأس المال الاستغناء عن الدولة لكن الدولة الحديثة هي من ساعد في مرحلة معينة بأن يكون لموريتانيا رأس مال وطني ولديها صناعات وبنوك وما أشبه ذلك، كيف وأهل المال لا يستطيعون القيام من دون الدولة بواجبهم يكن لأهل السياسة قدرة من دون المال للقيام بمؤسسات بحجم الهم العام تعمل بموريتانيا والحقيقة أنه لأجل الديمقراطية يجب أن يعطى لهم ما يكفي لهم لتصميم البرامج وتكوين الأطر وبالتالي بالمساهمة في حللحلة الأمور إذن هذا معوق كبير ولابد من المال لتقوية الديمقراطية ولممارستها والغلط أن يعطى المال للحزب الحاكم ويحرم الآخرون من تمويل برامجهم وتسيير شؤونهم والصرف على الخبرات والتكوين.

المعوق الآخر أنه في السياسة قوتان قوة اللسان وقوة الأفكار ولهما تأثير على الساحة فإذا زاد طرف بقوة ثالثة هي قوة السلاح كالجيش حد ذلك من قوة من يعارض وأصبحت اللعبة تدار بشفافية في بعض الأمور وفي أمور معينة تجد أن ما يلزم فعله في أمور ديمقراطية لا يكون؛ لأنما ليس في الإمكان أبدع مما كان ففي الخلفية وتحت القناع السلطة العسكرية والاستبداد الرشيد وفي الواجهة والعلن الديمقراطية ولا مكان للحكم الرشيد؛ فاختلال هذه القوى معوق آخر.

المعوق الأخير يفوق كل ما سبقه وهو معوق اجتماعي حيث أن الدولة الموريتانية منذ تأسيسها على يد الأب المؤسس المختار ولد داداه كان حريصا على أن تكون العاصمة انواكشوط وعلى إخراج الناس من إطارات القبيلة والإمارات والشيوخ لتأخذ الدولة مكانتها وهذا كان ضروريا وصائبا في حينه ولكن ما كان ينبغي فعله ولم يفعل أنه مع قبول الناس بإطار الدولة ينبغي جذب العنان إلى الناحية الأخرى وأصبح من يسوس الدولة وأعوان السلطة يستمرؤون التغالي والتعالي على أهل الداخل ويستعمرونهم بالترغيب والترهيب وساعد ذلك احتكار العاصمة المركزية للسلط والميزانية والمشاريع والميزانية والاكتتاب وغير ذلك بل أخص من ذلك كل السلط والمنابع في يد واحد هي يد المتربع على الكرسي المركزي وإذا أهل البوادي والقرى مجبرون على التعامل مع من بيده كل هذه المقاليد مما استوجب وجود النفاق السياسي في الأعماق وبما أن شعبنا في الحقيقة لم يتلطخ بهذه السمة كثيرا فقد آلت اللعبة إلى أن يعمل كل طرف على مخادعة الآخر.

سؤال بعض الناس يعتبر الديمقراطية مجموعة من الخيارات وليست مجموعة الضوابط ما تعليقكم؟

جواب أنجح وسيلة للتعامل مع الأنظمة التي ترفض رغبة الشعب وخياراته وخاصة بالنسبة لنا لتكون الأولوية لدينا جميعا هي التوافق على مبادئ وقوانين وعلى صفة نراقب بها كل من يتقلد السلطة وكيف نتعامل فيما بيننا في نظام ديمقراطي يسمح لنا بأن نتقدم، أي وضع الاحترازات والضوابط فنحن منذ ثلاثين سنة في معاداة الديمقراطية والنفاق للديمقراطية ولانقلاب على الديمقراطية وتشويهها في الممارسة وهذا الشكل التي تعود عليها الناس لا تصح معه الديمقراطية وانطلاقا من تجربتنا يطلب هذا نقاشا وطنيا عميقا، والديمقراطية لم يعد معناها أغلبية تحكم بالإطلاق ومعارضة مقيدة فالحكم الرشيد يستلزم الإجماع الوطني والوفاق في كل الوسائل الجوهرية في الشأن العام هذا مبدأ من مبادئ الديمقراطية ومبدأ من مبادئ السلم في الحفاظ على الكيان والوحدة.