الرئيسية أخبار I العملة إنتاج مصرفي بكلفة رخيصة وأصول ليست كغيرها من ألأصول

I العملة إنتاج مصرفي بكلفة رخيصة وأصول ليست كغيرها من ألأصول

0
0

العملة إنتاج مصرفي بكلفة رخيصة وأصول ليست كغيرها من ألأصول

ما يجب ان يعرفه المواطن عن العملة والبنك

“امنحني حق نشر ومراقبة أموال الأمم، ولا يهمني بعد ذلك من يَسُنُّ القوانين”

Mayer AMSHEL

مقدمـــــــة

بقدر ما تكون الأشياء أكثر غرابة وأبعد من الإنسان بقدر ما يكون دافع التطلع لديه أقوى، وبقدر ما يتمكن من الابتعاد الكافي لملاحظتها عن بعد مثلما تُلاحظ الظواهر الميتافيزيقية. والرؤية تتبلور مع التراجع.

وعلى العكس من ذلك، فعندما تكون الأشياء أكثر قربا وألفة مثل الجسد والجيب، فإن الإنسان يعتقد أنه يعرفها والحقيقة أنه يجهلها حتى ولو كان يستخدمها كما يستخدم الماء والطعام اللذين لا يستوعب تركيبهما الكيميائي ولا قيمتهما الطاقية والغذائية.

هذا هو حالنا اليوم مع الاقتصاد بصفة عامة ومع العملة والبنك بصفة خاصة.

ووعيا منا بهذا وملاحظ منا أن بلادنا مهددة بانطفاء “شمعة” المعرفة حيث يتحول الجمر إلى رماد، فإن الجهل وانعدام الثقافة، من وجهة نظرنا، يمثلان الخطر الرئيسي الذي يخيم علينا: الإدارة أصبحت موائمة مع كافة  المواد الاستثنائية والمادة الرمادية وطلابنا الباحثون عن الشهادات والصامدون لاكتساب المعارف، تلك أمور دفعتنا للإقدام على توضيح بعض جوانب العلوم الاقتصادية والمالية التي من المفروض أنها مألوفة لدى الجميع والمفارقة أنها غير معروفة لديه.

وسنحاول أن نعمل على إدراك الجميع لذلك بطريقة مختصرة ومبسطة.

يعتقد الكثيرون أن العلوم الاقتصادية وخاصة الظواهر النقدية معقدة، وأنها علم نخبوي لا يمكن إدراكه أو أنها حكر على بعض العباقرة والموهوبين على وجه الخصوص.

ومن جهتنا فإننا نشاطر الاقتصادي غولبرايت رأيه حيث يقول: «ما من شيء في الاقتصاد إلا ويستطيع متوسط الذكاء معرفته».

إننا نقدم هذه التوضيحات لوجه الله ولنوقد شمعة صغيرة في عالم يكتسحه الظلام شيئا فشيئا، والاقتصاد بالنسبة للبقية يثير سببا إضافيا بأنه غير معروف: وهو كونه مستهلكا !

كم من مرة سمعتم في نواكشوط: “لا وجود للفضة حاليا”؟ هذه الفترة “بدون فضة”؟ هذه سنوات “وفرة الفضة”!!!

الملاحظ: الأخبار تنتقل، من الأفواه إلى الآذان غير أنها تبقى هنالك كما لو كان الأمر يتعلق بظاهرة سقطت من السماء وليست جارية على الأرض، أو بظاهرة يستحيل شرحها. ويُعرف ما يقتضيه ذلك وما لا يقتضيه…، غير أنه لا مجال في الصدفة للبحث عن معرفة الماهية والسبب…

ولم أسمع أو أقرأ أبدا أن أيا من وسائل الإعلام قد تناولتها أي سلطة أو رجل سياسة، بل وأقل من ذلك لم يشغل أي علمي باله بالتوقف عندها لمحاولة توضيحها.

ذلك ما سنتناوله باستفاضة عبر هذه الزاوية، بالتساوي مع غيرها من العناوين والمواضيع التي سيتم تناولها في إطار المعهد الدولي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية.

I

– العملة: مال ليس كغيره من الأموال

لاستيعاب الظاهرة النقدية يبدو لنا من الضروري استعراض وظائف العملة وخصائصها.

خصائصها

من وجهة النظر المحاسبية

  1. تستخدم العملة كوحدة حسابية

إنها أداة لقياس قيمة الممتلكات والخدمات والسندات. وأسعار كافة عناصر الأصول التي تظهر في الحصيلة معبر عنها بالعملة.

ولأنها تقيس قيمة كافة الممتلكات باعتبارها وحدة، فالعملة تستخدم كقاسم مشترك وتتيح المقارنة بينها.

وباستخدامها في أي تعامل بين المشتري والبائع، تمثل العملة مقابل القيمة بالنسبة لهؤلاء أثناء تعاملهم مع المشتري. وتمثل القيمة المقابلة للمال المبيع.

وأجزم بالقول أنها تمثل بشكل ما أبجديات المحاسبة.

والعملة عبارة عن أصول.

وباحتسابها كعنصر من الممتلكات، فالعملة أصول تظهر في حصيلة المؤسسات والأفراد إلى جانب غيرها من الأصول.

هذه الأصول تكون دائما دائنة-مدينة.

ولكن حسب الدور الذي تلعبه على المستوى الاقتصادي، فهي تختلف عن كافة الأصول الأخرى. والتمييز بين الأصول غير النقدية والعملات أمر سهل. فيكفي معرفة كون الأصول غير النقدية يمكن تحويلها إلى عملة في حين أن “العملة ليست إلا عملة فقط”. هذه النقطة سيتم التعرض لها فيما بعد.

التحليل الاقتصادي والمالي للأصول النقدية

ترتبط العملة بالاقتصاد وبالمجتمع بعلاقة ديالكتيكية. فالعملة والمؤسسات التي تسيرها والممارسات المرتبطة بها تتوقف كلها، على نطاق واسع، على التطور الاقتصادي والاجتماعي. غير أن هذه المؤسسات وهذه الممارسات ذاتها تستخدم على وجه الخصوص من قبل السلطات النقدية الوطنية أو الدولية من أجل توضيح وضبط الواقع الاقتصادي.

2- العملة باعتبارها وسيلة تسديد

العملة ضرورية ولا يمكن استبدالها في اقتصاد التبادل أيا كان.

فالعملة قبل كل شيء وقبل كل وظيفة، وسيلة عاجلة وغير محدودة تطفئ الدين فورا وتتيح نقل ملكية المال أو الأشياء المتبادلة من بائع إلى مشتر فور تسليم الثمن دون حدود في المبلغ أو في السقف.

3- وكوسيلة للمحافظة على القيمة ثم للادخار، فالعملة تتيح التمييز بين المشتريات والاستثمارات ما دام التضخم لم ينقص من قيمتها. فهي تلعب دور الأداة المالية القادرة على نقل القدرة الشرائية مع مرور الزمن.

يقول ج.م. كينز أن العملة وسيلة ربط بين الحاضر والمستقبل.

وبدون الميكانيزمات النقدية فلا يمكن للوكلاء الاقتصاديين استباق الأمور.

بطبيعتها كسيولة، فالعملة في الأسواق وسيط لا غنى عنه في أي تبادل.

4- كلفة إنتاجها الزهيدة أو شبه المعدومة ليست لها علاقة بقيمتها وقدرتها الشرائية.

هذه الخاصية أساسية ونادرا ما يتم التعرض لها من قبل الأخصائيين والمنظّرين للعملة.

الميزات والفوائد المترتبة تبرر التعرض المعمق لهذه الخصوصية من أجل شفافية أكبر.

وفي وقتنا الراهن، ليست البنوك ولا الدول بحاجة إلى اقتناء المعادن والمعامل من أجل صناعة النقد المعدني من الذهب أو الفضة.

وباستخدامها في شكلها الورقي والكتابي والرمزي، تصبح العملة بدون قيمة ذاتية. إذ لا يكاد إنتاجها يكلف شيئا.

ورغم هذا فإن القيمة الاسمية لهذه العملة مساوية لقدرتها الشرائية.

وتتأتى هذه القدرة التي تحرر المدين من دينه والتي تُرغم البائع على قبولها مقابل أي بضاعة معروضة في السوق، من القانون المفروض من قبل دولة البلد صاحب الإصدار، وهو الذي يمنح العملة المحلية “سعرا مشروعا وقدرة تحريرية”.

غير أن هذه العملة تنتُج عن نوع من التوافق الاجتماعي، يقود الجميع لقبول ورقة 100 أو 5000، ببساطة لأن الرقم طبع عليها، أو قيمة أي رقم آخر لأنه مسجل في اعتماد حساب مؤسسة أو شخص يمسكه بنك إيداع معتمد لدى الدولة.

ذلك أن العملة يمكن أن تخلقها بنوك الإيداع، دون كلفة إنتاج أو مصاريف غير مصاريف التسيير، وذلك بفضل تحويل القروض إلى عملة يقابلها قرض للاقتصاد.

وبعبارة أخرى، بمنح القرض للمؤسسة أو للفرد، يشتري البنك الدين. واكتساب هذه الأصول على شكل دين يتم بكتابة إيداع (كمية مساوية من العملة) في حساب الزبون المستفيد من  القرض.

بذلك يتم تحويل سند الدين إلى عملة.

إن التحليل المحاسبي والمالي لمنح مثل هذا القرض من طرف بنك إيداع يبين لنا أن المقرض قد تمكن من التصرف في كمية جديدة من العملة دون أن يحدث خفض في القبض النقدي لشخص آخر.

والعملة التي تم إنشاؤها من لا شيء، والتي تتيح للمستفيد من القرض تسديد مشتريات وديون لم يتم استلافها من لدن آخرين: مؤسسة مالية أو وكيل اقتصادي. والأصول النقدية التي تم إنشاؤها لن تكلف إلا مصاريف التسيير المترتبة عليها.

وخلافا للوكلاء الاقتصاديين (بمن فيهم الدولة) وخلافا للمؤسسات المالية غير المصرفية، فالمصارف التجارية تتمتع، لوحدها، في جانب الخصوم من حصيلتها، بمورد شبه مجاني: خلق العملة.

وبفضل هذا المورد الذي أنشئ ببساطة عن طريق الكتابة، يمكن للبنك الحصول على أصول وتحقيق رقم أعمال ومنح قروض وفرض أرباح وحتى إنشاء وتفليس الشركات.

أما بالنسبة للعملة الائتمانية التي ينشئها البنك المركزي، فإنها لا تكلفه إلا مصاريف الإصدار والطباعة.

ورغم ما سبق فإننا لم نسأل أنفسنا لماذا تعتبر أصولا في حين أن أي قيمة لم تمنح لها كما لا نتساءل لماذا أيضا يمكن استبدالها بأصول أخرى، وقد يكون السبب في ذلك ارتباطنا اليومي بالعملة، مما جعلنا نتعود عليها بشكل أعمى.

إن ضخامة الامتياز الممنوح لبنوك الإيداع قد أصبح واضحا لكم. فهي المؤسسات الوحيدة التي يمكنها التسوية المباشرة لديونها ومعاملاتها بفضل موارد تنتجها هي نفسها وتكاد كلفتها تكون معدومة، وهي زهيدة على كل حال.

في مثل هذه الظروف، أليس من المنطقي التساؤل لماذا لم تمتلك هذه البنوك كافة الممتلكات التي يمسكها الآخرون؟

وهي تفعل كل ما في وسعها بالتأكيد لبلوغ تلك الغاية.

غير أن السلطات العمومية تضع بالضرورة عوائق لمواجهة شراهة البنوك، من أجل حماية الاقتصاد وتجنب المنظومة المصرفية للأخطار والمجازفات الناجمة عن استخدام هذا السلاح ذي الحدين.

وسنقتصر على ثلاث حالات مضرة بالاقتصاد يمكن أن تنجم عن هذا الخيار المتاح للبنوك لخلق العملة.

الآثار الضارة لخلق العملة من قبل البنوك

1- إساءة توجيه القروض

إن هدف الدولة عندما تفوض البنوك سلطاتها النقدية هو أن تمول الاقتصاد.

لهذا فحصة كبيرة من مقابل الكتلة النقدية في كافة البلدان غالبا ما تكون ممثلة بائتمانات للاقتصاد.

إن اكتساب البنوك للأصول الحقيقية أو المعنوية غير الديون على الوكلاء الاقتصاديين والتي تمثل هي الأخرى زيادة في حجم الكتلة تظل هامشية جدا، للأخذ في الحسبان.

ومن ثم فهي متجاهلة ومهملة في الإحصائيات النقدية الرسمية وليس لها الحق في خط (خاص بها). وواقعيا فمن غير المتاح إنجاز الجميع على نطاق واسع، على الأقل في كافة البلدان، ما دام هنالك دائما خطا للحدود الفعلية بين القطاعات الحقيقية للاقتصاد والقطاع المصرفي.

والطابع الخليط والهجين للبنوك الموريتانية الذي يجمع ويخلط لدى نفس الفاعلين بين الوضع البنكي والصفة التجارية والصفة الصناعية لا يمكن إلا أن يثير تساؤلات ومحاولة للفهم على هذا المستوى.

وفي انتظار أن يتوقف الخلط بهذا الشكل وأن يقضى على الاختلالات في هذا المجال فإن الإحصاءات النقدية ستراجع وتصحح من قبل صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الموريتاني في أفق تطهير أكبر وشفافية أكبر عن طريق إضافة خط تعويض للكتلة النقدية متميزا عن خط “القرض الاقتصادي” والذي كانت تنبغي عنونته:

«إنتاج البنك لنفسه أو للشركات الملحقة به».

2- التضخم بالعملة

يمكن أن يحدث التضخم عن طريق ضخ عملة عليا في الإنتاج الإضافي. فإذا فاضت عن هذه الحاجة ستكون هنالك غزارة في العملة النشطة قياسا إلى الممتلكات والخدمات والسندات القابلة للتبادل. وينتج عن ذلك تضخم في الأسعار وهدم للقدرة الشرائية لكل علامة نقدية.

3- الجفاف النقدي

إذا كان هنالك نقص في الفضة وهو ما أسميه الجفاف النقدي؛ فإن الآثار السلبية لهذه الندرة على حجم التبادلات يكون واضحا ويتبعه دون شك تباطؤ في النشاط وتناقص في النمو الاقتصادي.

وفي الظروف المشابهة، تنجز التبادلات التجارية بندرة أو بصعوبة لأن المشترين الاحتياطيين الراغبين في اقتناء الأصول الحقيقية المنقولة وغير المنقولة لم تعد لديهم الكمية المناسبة من العملة التي تناسب البائع.

وبصفة عامة وكخلاصة فإن خلق العملة بالقرض يمكن استيعابه باستباق في الإنتاج يتبعه استباق في الدخل. وإجمالي المشكل إبقاء هذا الاستباق في الحدود المسموح بها في السياق الاقتصادي. هذا هو الدور الذي ينبغي أن تلعبه السياسة النقدية في أحسن أحوال المصلحة العامة.

كيف تُتجنب أو تُخفف العواقب الوخيمة لسلطة خلق العملة من قبل البنوك

تتصورون أن هذه السلطة لا يمكن أن تكون تامة ومطلقة وأن هنالك حدودا من اللازم أن تقف عائقا في وجه الشراهة المحتملة للبنوك.

تضع السلطات العمومية والسلطات النقدية عقبات وحدودا دائما من أجل تجنب أو الحد من الآثار السلبية للاستخدام المفرط وغير المناسب لسلطة الخلق النقدي لدى البنوك.

  • بدءا بالحد من عدد بنوك الإيداع قياسا إلى البنوك الأخرى وبما يتناسب مع حجم الاقتصاد. فاعتماد بنوك الإيداع يخضع دائما لشروط صارمة ودقيقة ظاهرها مالي وأخلاقي وتكوين القادة والعمال. وعددها ينبغي أن يكون محدودا جدا.

وبسبب جمع رجال الأعمال الموريتانيين بين مهنة المصرفي ومهنة مسؤول الشركة فقد حذرنا بالماضي 2005 من محاولات أن يلجأ كل تاجر مليونيري بالدولار للترشح إلى مستوى بنك الإيداع الذي يسمح بخلق العملة.

وليس هنالك أخطر من الانتشار الحالي في بلادنا لبنوك الإيداع التي تحمل بشكل مفرط الصفة الإسلامية والتي يوشك أن تؤدي بالاقتصاد الوطني والنظام المصرفي إلى الكارثة: أزمة السيولة (وهي واقعة)، أزمة مصرفية، أزمة المالية…

يقال غالبا إن رأس المال جبان غير أنه هنا مجازف ومخاطر. فالبنك يتحول إلى مؤسسة لليانصيب. فكل موريتاني اكتسب ثروة أو ظن نفسه قويا مؤقتا يطمح إلى أن تكون له عملته الخاصة على حساب عملة المجموعة الوطنية.

وبقبول السلطات الوطنية لفتح الباب واسعا أمام الترخيص لهذه البنوك التجارية حيث كان يتعين عليها وضع العراقيل والعوائق والسلطات الدولية التي تركت الأمور تتحمل مسؤولية تاريخية خطيرة بارتكابها خطأ كبيرا. إنه فوضى التسيير النقدي.

ولمصلحة الجميع وللتاريخ، لن أتجاوز بصمت الفساد الأكثر خطورة خلال السنوات الأخيرة. فلا يسعني إلا أن أطلق صفارة الإنذار للرأي العام بهذا الخصوص.

وهنالك حد ثان يكمن في كون البنك لا يمكن أن يمنح القروض إلا للوكلاء الاقتصاديين الذين يطلبون ذلك للحاجات التمويلية وللاستباق.

ولا يمكن للبنوك منح قروض لمن لا يرغب في ذلك.

غير أن ما يشكل الحد الطبيعي لخلق العملة خارجيا هو عامل تفاقم عندنا في المخاطر ما دام المصرفي يمكنه في بعض الحالات وفي نفس الوقت أن يكون طالبا للقرض عن طريق شركاته ومقدما للقرض عن طريق بنكه.

هذا “الرقيب الطبيعي”، تماما مثل الرقيب الاصطناعي الذي استعرضناه للتو، لن يلعب دوره كاملا في موريتانيا ما دام الفصل بين القطاعات الاقتصادية والقطاعات المصرفية التي تمنح القروض لم يحسم بشكل واضح.

هذه ثغرة أخرى في المنظومة التسييرية للاقتصاد المصرفي والنقدي الموريتاني الذي تم استبدال فراميله بالمسرع مع الأخطار التي يحملها ذلك والتي يمكن أن يؤدي إليها.

  • الحد الثالث هو خضوع البنوك لرقابة البنك المركزي عن طريق تطبيق السياسة النقدية ورقابة المصارف بالحصص الحذرة والترتيبات القانونية لرقابة المؤسسات خفية الاسم: التدقيق القانوني والرقابة الداخلية واستقلال جهة التنفيذ.
  • الحد الرابع فني بحت.

يمكن للبنوك أن تحذر المخاطر جراء تسرب العملة الذي يمكن أن يثير صعوبات في السيولة ويقضي على المردودية بسبب اللجوء إلى تمويل مكلف في السوق النقدية أو خارجها.

غير أن هذه الآثار تنبثق دائما عن مستقبل غير مؤكد ولاحق دائما لخلق العملة المصرفية.

وسيولة البنوك ليست سيولة الاقتصاد رغم بعض الارتباط.

السيولة المصرفية

إن إجمالي تحصيل العملة المصرفية للبنوك، مضافا إليه الموجودات النقدية الكتابية في معهد الإصدار تشكل مجتمعة ما يسمى على مستوى البلد السيولة البنكية.

هذه العملة ليست عملة بالمعنى العام للمصطلح الذي تناولناه، ذلك أنها لا يتم تداولها في الأسواق الحقيقية بين الوكلاء الاقتصاديين.

وفي المقابل هذه العملة المعبر عنها بالمركزية التي تلعب دور الوحدة الحسابية وليست وسيلة للدفع هي وحدها التي يمكن أن تستخدم كوسيلة للتسوية بين البنوك.

بتوزيع كثير من القروض فإن التسربات النقدية نحو النظم الأخرى ستتجه إلى التفاقم بخلقها حاجة لإعادة التمويل لا يمكن تلبيتها إلا بالعملة المركزية، أي باللجوء إلى السيولة المصرفية التي لم تكن أبدا مجانية والتي تؤثر على هامش المؤسسة المتقدمة بالطلب.

السيولة المصرفية، وخصوصيات العملة المركزية

1- هذه العملة الكتابية لا تصدر إلا لصالح المصارف.

2- فهي الوسيلة التي تتيح إنجاز العمليات بين البنوك.

3- غير أنها لاتشكل جزءا من الكتلة النقدية لأنها لا تتداول بين الوكلاء الاقتصاديين وفي الأسواق الحقيقية.

4- وعلى مستوى هذه السيولة تتوقف قدرة البنوك على نطاق واسع في خلق العملة وبعبارة أخرى في توزيع القروض.

وعلى غرار كون سوق القرض ينبغي أن لا يخلط بالسوق النقدي فكذلك السيولة المصرفية ينبغي أن تميز عن السيولة الاقتصادية.

هذه الأخيرة تقاس بحجم الاقتصاد.

كيف تتشكل السيولة النقدية؟

الفضة أي العملة مال حي “يولد” ويعيش أي يتنقل و”يستريح” و”ينام” في سوق الأموال والخدمات داخل فضاء إقليمي معين ثم يموت كغيره من الأحياء التي تختفي وتنطفئ.

وحينما تكون مواليد العملة أكثر من وفياتها فإن كمية الفضة في السوق تتجه إلى الزيادة فيقال حينئذ “الفضة كثيرة”.

أما إذا فاقت الوفيات في كمها الولادات فيقال حينئذ أن هنالك “الفضة قليلة”، أزمة سيولة.

وبعبارة أخرى، فحينما تكون الفضة الداخلة إلى السوق أكثر من الخارجة منها، تتوفر السيولة في السوق وهذا يساهم عموما في الدفع بالنشاط الاقتصادي.

وعندما تكون كميات الفضة الخارجة من السوق والتي تموت تفوق الكميات المولودة وتلك الداخلة إلى السوق، حينها يجري الحديث عن ندرة الفضة وانعدام السيولة في السوق، وهو ما يساهم في ركود النشاط.

بإجراء هذه المعاينات، يبقى لنا تحديد موارد حياة الفضة وأسباب موتها لمعرفة الجميع.

من أين تأتي العملة؟

المصدر الأول لخلق العملة: القرض المصرفي

الفضة تولد عندما تكون للبنك الذي لديه سلطة وقدرة على خلق عملة بواسطة إقراضه لعميل اقتصادي ينشط في قطاع حقيقي من سوق معين.

والمصرف يكتسب هذه السلطة لخلق العملة لأن الدولة تأذن له في ممارستها. إذ أن العملات من الأمور السيادية للدول كالدفاع والدبلوماسية.

وتكون لدى البنك القدرة حين تأذن له الدولة في فتح دفاتره لحسابات الإيداع لصالح الجمهور من أجل أن يتمكن من تسجيل المبالغ المقروضة وإذا كان هذا “اللوح” الذي تسجل عليه الفضة غير موجود فكيف تمنح القروض حقيقة وكيف تدار؟ وبدون هذه الأداة العملية يصبح القرض وبالأحرى خلق العملة أمرا مستحيلا.

أسمع أحيانا في وسائل الإعلام وحتى من المختصين أنه بفضل الأموال المودعة من قبل الجمهور يمكن للبنوك منح القروض. وهي فكرة خاطئة ومشوهة. والصحيح هو العكس فالقروض هي التي تنتج الودائع وليس العكس.

نتمسك إذا بأنه إذا منحت المنظومة المصرفية يوما 40 مليار من القروض للوكلاء الاقتصاديين الحقيقيين فهذا ميلاد لعملة إضافية قدرها 40 مليار. وبعبارة أخرى فإن هذه الـ40 مليار تدخل السوق.

وهذه العملة الناتجة عن القرض غالبا ما يعتقد أنها تضخمية.

وبالمقابل فإن القروض التي يمنحها المصرف لوكيل مالي أو مصرفي أو غير مصرفي لا تعتبر فضة في السوق بمعنى العملة.

المصدر الثاني لخلق العملة: التنازل عن العملات الصعبة –الأجنبية- في النظام المصرفي والمالي الوطني

تولد الفضة من مصدر آخر (تماما مثل شخب الحليب من ضرع الناقة) عندما يرغب إنسان أو مؤسسة ما في اقتناء عملة بلد معين مقابل عملة صعبة لبلد آخر. إذن يكون التنازل عن العملات الصعبة مقابل الأوقية مثلا، أساسا للكميات الإضافية من العملة. ولا نحتاج القول بأن منتوج الصادرات يعود إلى الوطن فيزيد العملة وأن القروض والتحويلات الخارجة من فرنسا وأنغولا والإمارات العربية أو أي بلد آخر تأتي لتنضاف إلى كميات العملة المتأتية من القرض.

ونرى أنه عندما تحول 20 مليون أورو مقابل الأوقية تولد 80 مليار أوقية تقريبا تدخل السوق الموريتاني ثم تتنقل وتستريح وتنام. وسنتطرق لاحقا لما يمر على العملة من لحظة ولادتها إلى مماتها.

أي ما يعني كتلة من الفضة في السوق تصل إلى 120 مليار أخذا في الحسبان لهذين المثالين.

وهذا المصدر من العملات مرغوب عند الاقتصاديين والدول ويعتبر أقل تضخمية مما سواه وهذا صحيح ولكن كل شيء في الاقتصاد نسبي.

المصدر الثالث لخلق العملة: تسبيقات البنك المركزي للخزينة العامة، صفحة الأوراق النقدية Planche à billets))

هناك مصدر ثالث لخلق العملة يكمن في حالة ما إذا منح البنك المركزي تسهيلا للدولة عن طريق حساب الخزينة العامة وأجرى لصالح الوكلاء الاقتصاديين بمن فيهم العمال والمنمون. وهو ما يسمى بالفضة المتأتية من صفحة الأوراق. إنها الفضة التي تدخل السوق. وهي مصدر يعتبر خطيرا وغير مسؤول وتضخمي. هذا صحيح على العموم غير أنه في الاقتصاد كل شيء نسبي.

ونتمسك بأن الدولة لو طلبت عن طريق الخزينة العامة قرضا بمبلغ 12 مليار لتسديد أجور الموظفين، فهذه الكمية الجديدة عبارة عن كتلة من الفضة تأتي لتنضاف إلى سابقاتها وإلى التدفقات النقدية الداخلة التي تصل إلى مستوى 132 مليار.

ولفهم كيفية موت العملة -أطال الله بقاءكم وأغناكم- وخروجها من السوق وتناقصها يكفي أن تقرأوا هذا الاستقراء بالمقلوب.

نترك لكم عناية القيام بهذا التمرين في انتظار مداخلة القادمة ستبين لماذا وكيف يمكن أن تتناقص كمية العملة في السوق أو في أي مكان.