الرئيسية أخبار II أشكال العملة حسب مصادر خلقها

II أشكال العملة حسب مصادر خلقها

0
0

II أشكال العملة حسب مصادر خلقها

في الإصدار الأخير تعرضنا لميكانيزمات ومصادر خلق العملة لتمكينكم من استجلاء معنى مفهوم «ندرة أو وفرة الفضة» والطريقة التي تتوفر بها السيولة في الأسواق.

سبق أن قلنا إن المصدر الأول لخلق العملة في الظروف الطبيعية للبلدان خارج فترات الحرب هو إقراض البنوك التجارية (التي نسميها أيضا “البنوك الأولية” أو “بنوك الدرجة الثانية” أو “بنوك الودائع”) للوكلاء الاقتصاديين وبتعبير آخر الاقتصاد الحقيقي لبلدهم.

إنه السبب الرئيس للتحول إلى هذه الفئة من البنوك. ولتولي وظيفة “خلق العملة” وما يرافقها من تداول الأموال، تفوض الدولة جزءا من سلطتها الخاصة بها لخلق العملة. وهذا ما يبدو أن هؤلاء وأولئك قد نسوه منذ بعض الوقت أو أنهم لم يفهموه منذ البداية.

تعلمون أنه في العادة من منظور اقتصادي وقانوني لا يوجد هنا في موريتانيا ولا يمكن أن يوجد بها إلا بنك موريتاني. فأي بنك يمارس نشاطه على أرضنا سواء كان وطنيا أو أجنبيا فمن واجبه والتزامه تمويل اقتصادنا.

هذا الالتزام الواجب على البنوك التجارية لتمويل الاقتصاد الموريتاني يأتي مقابلا طبيعيا لسبب إنشائها وحقها في الوجود من خلال تمتعها بسلطة خلق العملة. فالقرض المصرفي إذن خدمة عمومية بالوكالة.

هذا الإيعاز يكتسي شرعيته ومبرره من الأمور التالية:

  • هذا التمويل يجري بفضل سلطة خلق العملة الموريتانية الذي تم تفويضه له من قبل الدولة الموريتانية. وليس هذا من أصوله الذاتية ولا من الودائع التي تمكن من القروض التي يمنحها بالأوقية؛
  • هذا التمويل بالقرض يفتح له حقا في الأجر وفي المداخيل المالية (المصاريف، الفوائد، الإرباء (agios)، الخ…)؛
  • هذه الفوائد المصرفية قائمة على حساب إنتاج الثروة في موريتانيا. فالبنوك لا تخلق أي ثروة. فهي من هذا المنظور عبء على الاقتصاد الحقيقي؛
  • بزيادة الكتلة النقدية المتداولة، فالقروض التي تمنحها البنوك والتي تنتج فضلا عن ذلك فوائد مصرفية تنعكس سلبا على السلطة الشرائية للأصول النقدية التي يملكها الوكلاء الاقتصاديون الموريتانيون، مستهلكون ومؤسسات.

وسنفصل لاحقا مسألة البنوك المعتمدة في موريتانيا: مشروعيتها وشرعيتها وواجباتها والتجاوزات التي ترتكبها والإصلاحات الضرورية التي يجب عرضها عليها.

شكل وطبيعة “العملة – مقابل القيمة” في القرض المصرفي

هذه “العملة – مقابل القيمة في القرض المصرفي” أي المتأتية من القرض المصرفي – للحديث المبسط – مسجلة من قبل البنوك في حسابات الوكلاء الاقتصاديين الخصوصيين وحسابات الشركات المفتوحة في سجلات البنوك. هذه العملة تسمى عملة كتابية (الكلمة من أصل لاتيني «scriptura»: كتابة).

والمبالغ المسجلة في اعتماد هذه الحسابات تشكل جزءا من العملة لأنها مثل أي أصول نقدية تأتي في نفس الوقت على شكل دائن ومدين. وهذا يعني أنها مسجلة في أصول الوكيل الاقتصادي للقطاع الفعلي الذي يستخدمها للقيام بالتسديدات على السوق أو لإطفاء الديون… إلخ. ومن ثم فهي تمثل حسابا دائنا.

وستسألون: من يتحمل هذا الدين؟

الجواب: دين على البنك الذي أنشأها والذي أصدر على وجه ما كتلة من العملة سجلها في اعتماد حساب مستفيد من القرض يمكنه استخدامها للتداول في السوق مع وكلاء آخرين.

فهي مسجلة في خصوم البنك الذي منح القرض. وهي بهذا الاعتبار حساب مدين مصرفي.

كيف يتم التعرف بسهولة على أصول نقدية؟ ما هي المعايير التي يمكن أن تتيح لنا التمييز بين الأصول النقدية والأصول غير النقدية؟

هناك قاعدة بسيطة، لا تتزحزح، يؤخذ بها وقليل من يعرفها من الناس.

إن أي “ممتلكات نقدية” مسجلة في الخانة الدائنة لحساب ما أو متوفرة على شكل أوراق أو قطع تعتبر أصولا مالية. وأي أصول نقدية تمثل في نفس الوقت حسابا دائنا ومدينا؛ فيقال إنها (في وضع) دائن/مدين.

هذه الأصول المالية ستكون ذات طبيعة نقدية حسب الشرط المزدوج: حيث تكون من خصوم مصرف وتكون ملكا لوكيل اقتصادي من القطاع الفعلي. ذلك أن العملة تظل دائما في خصوم البنك وفي أصول الوكيل الاقتصادي للقطاعات الفعلية.

وفي موريتانيا فمن الصعب التمييز بين الوكيل المالي ووكيل “الاقتصاد الحقيقي”، غير أن هذا لا يغير شيئا في القاعدة الكونية. وقد استعرضنا هذه الازدواجية الخطيرة لدى أصحاب البنوك الموريتانية (تراجع هذا الكتاب، وإصدارنا – نهاية 2006 – المتعلق بضرورة الفصل بين القطاعات الحقيقية والقطاع المالي والمصرفي).

أما السبب الثاني أو مصدر خلق العملة الذي هو أصل التدفقات المالية ودخول العملات الصعبة إلى سوق تبادل البلاد، هذا الدخول الذي يمثل وسائل للدفع الخارجي (عملات صعبة) والذي يتم إجراؤه مقابل كمية “مساوية” من العملة يحددها سعر الصرف المبين (السعر).

إجراءات إنشاء العملة المتأتية من العملات الصعبة وأشكالُها

هذه العملة منشأة مقابل دخول للعملات يمكن أن تنشأ عن صرف تم القيام به لدى شباك البنك المركزي، أو بنك تجاري أو مكتب صرف …

إذا تم صرف العملة لدى شباك البنك المركزي فالعملة الناشئة تتخذ شكل أوراق بنكية، تسمى العملة الائتمانية (ائتمانية تعني على أساس الثقة (باللاتينية fiducia).

والأوراق البنكية الصادرة عن البنك المركزي، الخارجة من الصناديق أو من الشباك، المقابل في عملية صرف العملات الصعبة ت تصبح عملة في حين لم تكن كذلك. فمن قبلُ لم تكن ببساطة غير أوراق بنكية مطبوعة وليست عملة.

وهذه فرصتنا للتذكير بقاعدة شاملة أخرى يسهل التمسك بها وهي أن كثيرا من الناس يجهلون أن الرصيد البنكي ليس عملة. فكافة «طيات الفضة» التي تبصرونها في صناديق البنوك ليست عملة.

نطبق هنا القاعدة الأولى المذكورة أعلاه، التي يساعد تطبيقها على التمييز بين ما هو نقدي وما هو غير نقدي.

نقوم بالاستقراء مثال مبسط. حضر شخص طبيعي إلى بنكه لإيداع مليوني أوقية في حسابه الشخصي. هذا المليونان هما بالعملة الائتمانية: أصول المالك وخصوم البنك المركزي، لأنها صادرة عنه. فبنك الإيداع يودع في حسابه مليونين دفعهما للتو ويسلمه وصلا.

ينتج عن هذه العملية عمل مضاعف:

  • عملة مكتوبة في حسابه بمليونين، يُمكنه التصرف فيها بواسطة الشيك أو التحويل أو الوسائل الأخرى لتحريك المبلغ لأي غرض.
  • وجود مليونين في العيان الحسي في صندوق البنك.

فإذا اعتبرنا المليونين الموجودين في صندوق البنك عملة والمليونين المسجلين في الحساب عملة أيضا فسيكون لدينا أربعة ملايين بدلا من اثنين وهذا غير منطقي.

هنا يتعين الاختيار: إما أن يكون ما في الحساب عملة أو ما في صندوق البنك عملة !

وبتطبيقكم للقاعدة التي مرت بكم أعلاه فبالتأكيد ستشيرون بالأصابع إلى ما سجل في الحساب أنه هو العملة؛ لماذا ؟ لأنه دين على البنك ويسمح للعميل بالشراء والتبادل وسداد الدين في القطاعات الحقيقية: أما المليونان اللذان نراهما في الصندوق من خلف الزجاج فقد أصبحا مطبوعات ورقية فقط لا غير !

إذن كل ما يتحصل في صناديق البنوك بهذه الطريقة لا يكون عملة كما قلنا ويستخدمه البنك في المعاملات مع البنوك المحلية والأجنبية الأخرى أو مع البنك المركزي أو من البنك المركزي إلى الخزينة أو في غرفة المقاصة عن طريق حساباتها عند البنك المركزي.

ولتفسير ذلك أكثر نقول إن الأوراق المصرفية التي يتم توريدها لصناديق البنوك والتي يمكن لها أن تحتفظ بها لتلبية حاجات عملائها من العملة النقدية كما يمكن أن تودعها في البنك المركزي إما لإعادة سحبها أو لتسجيلها في حساباتها لديه أو للوفاء بالتزاماتها تجاه البنوك الأخرى أو الخزينة العامة أو هي موقوفة في حساب رصيد إلزامي أو اختياري. هي تلبية للاستخدامات الضرورية التي

هذا ما يسميه الاقتصاديون-البنكيون “التسرب النقدي” (Les fuites monétaires) حيث أن هذه الاستخدامات هي وحدها ما يحد من قدرة البنوك على خلق العملة ولولا ذلك لكان باستطاعتها خلق ما تشاء من العملة إنما يحد ذلك هو تسرب العملة باتجاه البنوك أو الاستخدامات الأخرى.

وحيث ما زلنا في سياق صرف العملات يجدر– رغم الجمل أو الأمثلة الاعتراضية – أن نعرف أن البنك المركزي يستخدم الأوراق المصرفية وأيضا وحدات العملة المعدنية لما يجريه من عمليات الصرف بين العملات الأجنبية والمحلية.. وأن الصرف من البنك المركزي في الحالة الطبيعية هو خلق لعملة جديدة تزيد من الكتلة النقدية المتداولة غير “المكتوبة” ولا تزيد الكتلة المسجلة كما في حال الصرف لدى البنوك الأخرى لسبب بسيط هو ان البنك المركزي ليس لديه حسابات للعملاء الاقتصاديين من القطاع الحقيقي من المؤسسات أو الأفراد يسجل فيها المبالغ.

إذ البنوك المركزية لا تفتح حسابات في سجلاتها إلا بأسماء البنوك المعتمدة فقط، ومن هنا جاءت تسميتها “بنوك البنوك”. والمبالغ (كما أسلفنا) المسجلة في قروض البنوك التجارية أو مؤسسات مالية أخرى لدى البنك المركزي ليست لها طبيعة أو صفة نقدية. فهي ليست عملة.

هذا يمكن أن يكون شاذا ولكن لا معنى له بالنسبة لكثير من الأشخاص وحتى بالنسبة لبعض الأخصائيين الذي يعتقدون أن هذه الملايين أو المليارات التي أودعها البنك لدى البنك المركزي ليست عملة. نعم إننا نقولها ونكررها: إنها ليست عملة!

فلنطبق القاعدة الكونية التي تمكننا في كل مرة من تمييز ما إذا كانت الأصول المالية لها طابع نقدي:

  • المعيار الأول: هل هو مسجل في خانة خصوم أحد البنوك ؟ نعم إنه مسجل في خصوم البنك المركزي.
  • غير أن المعيار الثاني لم يُستوفي: حيازة الأصول المذكورة من قبل وكيل اقتصادي وتداولها في سوق الأملاك والخدمات. والبنوك، باعتبارها مؤسسات مالية لا تعمل في سوق الأملاك والخدمات والأصول التي تملكها في البنك المركزي لا يتم تداولها لا في سوق الأملاك ولا في سوق الخدمات ولا يمكن الاستفادة منها في تسديدات بهذه الأسواق.

هذا «الرصيد الموجود في البنك المركزي»، كيف يمكن تحليلها أيضا ؟

نقول هنا إنها «عملة بنكية بينية»، هي إذن «عملة البنك المركزي أو «العملة المركية»، إنها أداة «قياس أو وزن»، وحدة حسابية لا تستجيب للمعيار الأول الوظيفة الرئيسية للعملة المتمثلة في تسهيل التبادلات والتسديد في الأسواق مقابل الأملاك أو الخدمات أو قضاء الديون.

ويستبين أن بعض “المشاريع أو الفاعلين الآخرين» من القطاعات الحقيقية غير المالية، لها حسابات في البنك المركزي منذ بعض الوقت، وهذا خرق لهذه القاعدة الشاملة. ولكن إذا كان الأمر كذلك فهذا مظهر آخر من مظاهر التهجين السيئ والتشوه الخاص بنظامنا المصرفي.

وبكلمة واحدة:

إن صرف العملات الصعبة لدى بنوك الإيداع يمكن أن ينجم عنه خلق العملة بجميع أشكالها”

  • العملة الائتمانية، إذا كان المتنازل عن العملة الصعبة يريد الحصول على أوراق العملة، فإن الرصيد الخارج في المقابل يصبح عملة ائتمانية. في هذه الحالة لدينا عملية التحول التي وردت أعلاه!
  • عملة انقسامية للخارج.
  • عملة كتابية إذا كانت المقابل من العملات الأجنبية المتنازل عنها تم إيداعه في حساب مصرفي.

أما استبدال العملة الصعبة لدى مكاتب الصرف التي أجهل وضعها القانوني في  موريتانيا

  • فإذا لم تكن لمكتب الصرف صفة المؤسسة المالية، فهذا يعني أن الصرف تم بين ولاء اقتصاديين غير ماليين وغير بنكيين، ومثل هذه الصيرفة ليس له أي انعكاس على العملة الوطنية، مثاله في ذلك مثال الصيرفة التي هي في الحقيقة، إنما هو “صرف” في أسواق موازية. وحجم العملة في هاتين الحالتين وتداولها يبقيان غير متغيرين، باستثناء ما إذا كانت أوراق العملة الموريتانية تغادر التراب الوطني.

وعلى افتراض الخروج من التراب الوطني وعدم التداول في سوقنا، فهي تنقص الحجم وتحد عمليا من سرعة تداول العملة، ولكن ليس بشكل نظري، لأنه يفترض أن تجهلها الإحصاءات.