Catégories
الاقتصاد مقالات

V العمليات التجارية والمالية لبلد ما مع باقي البلدان إذا لم تأت متساوية زمنا ما بالصدفة تتأثر بذلك كمية كتلته النقدية في دورته الاقتصادية.

V العمليات التجارية والمالية لبلد ما مع باقي البلدان إذا لم تأت متساوية زمنا ما بالصدفة تتأثر بذلك كمية كتلته النقدية في دورته الاقتصادية.

كان بمقدورنا أن نختار بلغة علمية عنوان: « الموازنة التجارية الجارية والمدفوعات والكتلة النقدية »، لو كنا نتوجه بما نكتبه إلى الجمهور الأكاديمي حصريا.

كما كان بمقدورنا أن نختار عنوانا آخر هو « عجز ميزان المدفوعات وانكماش الكتلة النقدية وفائض الحسابات مع الخارج وتوسع الكتلة النقدية »، لو كانت هذه السلسلة من الحلقات موجهة إلى أصحاب قرار السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية أو حتى لأولئك الذين يعارضون تلك السياسات ويقترحون لها البدائل.

للأسف لا نوجه هذه المقالات لأولئك ولا لهؤلاء في هذين العالمين اللذين نتجه إليهما. لا!!!

هذه السياسات والاستراتيجيات معدومة لدينا.

وبالمقابل، فقد استخلصنا سابقا تصامم ومماطلة الطرفين.

ونحن صامتون في مواجهتهم.

وفي مواجهة الصم والعمي، أصبحت صامتا… في عالم يفقد الشمال ويدور في حلقة. فأنا أشعر فقط بالشفقة.

وكما قلت في الحلقة الأولى فإن انعدام الثقافة والجهل يهددان مجتمعنا بالخمود والتلاشي، إنهما يهددان اقتصادنا وبعبارة أخرى يهددان ثرواتنا الطبيعية والإنسانية وحضارتنا. كما يهددان بتلاشي ما تبقّى من عملتنا ومن الإرادة والقدرة على تمويل طموحات ومشاريع مواطنينا الفاعلين من أجل ترقية هذا البلد.

وهدفنا إنارة الناس جميعا حول اللغز أو الإشكالية الذي يهم ويشغل الناس جميعا والذي يبدو الجميع لا يعرفه أو يعرفه معرفة سيئة على الأقل. فقد اخترنا لهذه السلسلة الأولى موضوع « ندرة الفضة » لأنها جارية حاليا على كافة الألسن الموريتانية، فكلها مجففة ومذهولة.

ليس هذا إذا درسا جامعيا نقدمه. بل أقل من ذلك ليس خطابا سياسيا أو درسا في السياسة الاقتصادية.

وقد صدق الصحفي جاكانا خاليدو من يومية نواكشوط حين عنون الزاوية « لقطة مضيئة على…. ».

لنتجاوز ونواصل تقدمنا حول العنوان موضع الورقة الراهنة.

« الفَظَّه ما تَنْتْكَلْ مَرْتَيْن » كما يعلمنا المثل الحساني.

وبخصوص العملة، فما ينطبق على الأفراد ينطبق على الأمم والبلدان.

فمعيلة الأسرة التي تُخرج ألفي أوقية هي كل ما في محفظتها لتستبدلها مثلا بكيلو من اللحم تجعله في سلتها لا يمكن أن تطمع في أن تصرف المبلغ مرة أخرى في الخضروات والأرز. لقد صرف المبلغ مرة واحدة واستهلك في شكل كيلو من اللحم.

هاتان الألفان أصبحتا في يد الجزار الذي بدوره سيسلم جزءا من هذا المبلغ لبائع الماشية إذا كان قد باع لحمه كاملا بالربح وهذا الأخير سيسلم جزءا من هذا المبلغ للمنمي. وربة الأسرة والجزار وبائع الماشية يسكنون جميعا في موريتانيا فالمبلغ سيدور في حركة تداول داخلية دائبة حيث ينتقل من يد لأخرى ويتوزع ولكن دون أن ينقص أو يزيد من كمية العملة المتداولة بين العملاء الاقتصاديين في السوق الموريتاني.

هذا الوضع القروي للعملة ليس منتظما. « فليست كل طرق العملة تؤدي إلى روما » أي إلى سوق موريتاني فهي يمكن أيضا أن تتجه أحيانا وأكثر فأكثر إلى دبي أو شنغهاي أو سنغافورة أو هامبورغ.

فمستورد الألبان الألمانية المسحوقة أو المبسترة على سبيل المثال إذا استورد قيمة 20 مليون أوقية من مورده الأوربي عليه من أجل أن يتمكن من تسديدها ويأمل في استلام البضاعة في الموانئ الموريتانية أن يحصل على مقابل القيمة من اليورو لدى النظام المصرفي وهو ما يعادل 50 ألف يورو تقريبا. وشراؤها يعني محق مقابلها من الأوقية وبالتالي نقصا في كتلة العملة المتداولة في السوق الموريتاني. فهي تمثل أخذا من الكتلة النقدية (وقد أصبحنا نعرف هذا بفضل الحلقات السابقة).

والمستورد سيكون بهذا التصرف التجاري قد ودع 20 مليون أوقية لن يراها بعد. « فالفضة لا تأكل مرتين ». سواء كان حسابها في البنك قد سجل مدينا بهذا المبلغ الكتابي أو حملت نقودا إلى البنك. في هذه الحالة الأخيرة فإن صندوقه قد استلم كمية من العملة النقدية خارجة إذا أمسك المحاسبة.

وفضلا عن ذلك، فهنالك دين على حساب المصرف الوسيط بمبلغ مساو للعملة المركزية والمسار سيتم إغلاقه بنقص موجودات البنك المركزي لدى البنك الألماني بمبلغ 50 ألف يورو تقريبا التي ستستقر في حساب مصنعي اللبن الألماني.

ولن ترى موريتانيا هذا المبلغ الأخير (الفظة ما تنتكل مرتين).

وفي المقابل، ستقتصر موريتانيا على شرب الحليب الألماني.

ومستوردنا الموريتاني، على الصعيد الاقتصادي والمالي فضلا عن هدمه ل 20 مليون من كتلة عملتنا الوطنية المتداولة و50 الف يورو من موجوداتنا الخارجية، سيستحق توفير العمل لمنمي البقر الألماني والقيمة المضافة للشركات الألمانية ومداخيل الأثرياء الألمان… وأن ينافس إنتاجنا الوطني من الألبان.

وإذا تعذر عليه بيع هذا اللبن الذي استورده لأن المستهلكين لا يقدرون على شرائه لأن « الفضة غير موجودة »، ولأن « الكتلة النقدية تناقصت » ليعلم على الأقل  أنه ساهم في ذلك بما يناهز 20 مليون، وبصيغة أخرى أهلك 20 مليون أوقية لصالح الاقتصاد الألماني بتغذية الألمانيين والبقر الألماني والمنمين الألمان…

لقد تخيلتم أننا لن نثير هدم قدر كبير من الماهية الاقتصادية الوطنية ولا من وسائل الدفع والقدرة الشرائية الوطنية كانعكاس لهذه الماهية ومن العملة الصعبة التي كان يتعين علينا أن نخلق ثروة ومداخيل وتشغيلا لو أن ال20 مليون التي صرفها المستورد تم توجيهها نحو المسار الذي اخترعته هذه المرأة ذات الأصل الأوروبي والتي تبنت موريتانيا، الأبقار والنوق الموريتانية.

وأغتنم ذلك للإشادة بهذه المرأة الرائدة في اقتصادنا والتي أعتقد أنها الشخص الذي قدم لاقتصادنا الوطني أكبر خدمة بعد الرئيس المختار ولد داداه والتعبير عن تقديري لها.

وعلى غرار العملة موضوع كتاباتنا لم أعد أرى هذه الرائدة في حركة المرور الحضري بانواكشوط، ولاشك أن ذلك بفعل لعبة هذه القاعدة الشاملة وعديمة الشفقة في موريتانيا: «العملة السيئة تقصي الجيدة!!!».

من خلال هذا المثال الذي تم عرضه عليكم باستفاضة فقد أدركتم أن عمليات الاستيراد المسددة بواسطة البنوك الموريتانية تهدم من العملة الموريتانية المبالغ المقابلة لتسويتها، وتخفض الكتلة النقدية وتُسحب إلى الأبد من تداول العملة النقدية عموما وخاصة من العملة المكتوبة.

ومن السهل عليكم أن تفهموا أن مصاريف النقل أو التأمين المرتبطة بالمستوردات، والمدفوعة بالعملات الصعبة انطلاقا من المنظومة المصرفية الموريتانية سيكون لها نفس الأثر على الكتلة النقدية، طبقا للقاعدة الواردة المطبقة هنا «اللواحق تتبع الأصول». هذه المصاريف تنقص كمية العملة المتداولة لديكم.

كافة مستوردات بلد ما خلال فترة معينة -غالبا ما تكون من عدة أشهر إلى سنة- ويسجلها الإحصائيون المكلفون بمحاسبة العمليات مع الخارج في حساب يسمى الميزان التجاري وهو مكونة من الميزان الجاري وميزان المدفوعات.

هذه الإحصائيات يعهد بها عادة إلى البنوك المركزية.

والمستوردات تستقر في الخانة المدينة من حساب المبادلات التجارية مع الخارج: الميزان التجاري. ولموازنة المستوردات فعمليات تصدير البلد طيلة نفس الفترة يتم تسجيلها في الخانة الدائنة من هذا الميزان التجاري.

وباختصار نقول أن كل ما يشتريه البلد من الخارج كمادة مرئية (بضائع ومنتجات مصنعة ومعدات وتجهيزات…إلخ) تنعكس سلبا على العملة الوطنية المتداولة.

هذه الخدمات المستوردة التي يتولى الإحصائيون القائمون على العمليات التجارية والمالية مع الخارج غير المرئية لها نفس الانعكاس الهدام.

والخدمات التي يصدرها بلد ما ينشأ عنها خلق عملة جديدة.

هذه الخدمات (السياحة، الإسكان، النقل، الرخص…) المستوردة أو المصدرة والتي ينشأ عنها إخراج العملة الصعبة أو كسبها وخلق العملة أو هدمها، تسجل في ميزان غير المرئيات.

والفرق بين مستوردات الأموال والخدمات وبين الصادرات من نفس الطبيعة يمكن أن يكون متساويا تماما، وهي حالة نظرية جدا غير أنها مساعدة على الفهم، والرصيد صفر يجعل التأثير محايدا لا يُشعَر به ولا تأثير له على العملة  والكتلة النقدية.

والميزان التجاري وهو مؤشر اقتصادي، يمكن من قياس تنافسية اقتصاد البلد، وهو جانب لا نتناوله هنا لأنه لا يندرج في حلقتنا هذه التي هي نقدية مصرفية بالأساس.

أما في الحالتين الأخريين الممكنتين وهما حالة الفائض وحالة العجز، تحت طائلة النسق وآنية المكتسبات من الصادرات ومن المدفوعات للمستوردات، فهناك تأثير على الكتلة النقدية.

وبعبارة أخرى فمبلغ العجز في الميزان التجاري إن كانت التسويات النقدية للعمليات تتم بطريقة مباشرة (الدفع نقدا)، مما ينقص بمبلغ مساو للكتلة.

واذا كانت قيمة الصادرات من الأموال والممتلكات تفيض عن قيمة المستوردات منها، فهذا الفائض سينتج مساهمة في رفع الكتلة النقدية عن طريق « خلق صاف » للكتلة النقدية.

غير أن هذه الأرصدة المتمثلة في العجز أو الفائض في الميزان التجاري تأتي لتنضاف إلى رصيد من الحسابات الخارجية وميزان الحساب الجاري الشامل.

والحقيقة أن هذا الأخير يشمل الجميع. فإن كان في حالة عجز أي إن اشترى البلد من الخارج أكثر مما يبيع له ويستهلك أكثر مما ينتج، وهو ما يعني أنه يعيش فوق إمكانياته، فعملته في هذه الحالة ستتجه إلى الانخفاض (نقص في قيمتها) مقابل عملات العالم الأخرى. ومن ثم فسعر عملة ذلك البلد سيهبط.

وحينها سيكون البلد مضطرا للاستدانة لتمويل العجز في ميزانه الجاري والاستدانة من الخارج وبالعملة الصعبة للموازنة المختلقة وعلى المستوى المحاسبي (جزء مضاعف). وحسابات ميزان المدفوعات لا تكون أبدا في حالة عجز أو فائض، هذا اختلال في التعبير.

وتسديد هذا الدين يؤدي عند حلول الأجل إلى هدم للعملة كما يؤدي إلى خفض فيها، أي بمناسبة قضاء الالتزام المالي الخارجي للبلد.

وعلى العكس من ذلك إذا كانت الحسابات الخارجية في حالة الفائض، تتحسن وضعية صرف البلد وسعر عملته يتجه إلى الارتفاع  ويمكنه استثمار هذا الفائض في الخارج وأن يقوم بتوظيفه أو قرضه على البلدان المحتاجة للتمويل.

وفي وضعية مماثلة ينبغي أن ترتفع العملة المتداولة بفعل القيمة الداخلة من العملات الصعبة المتأتية من قضاء الدين الأصلي والمنتجات المالية المتأتية من هذا الأصل.