Catégories
الاقتصاد مقالات

VI ميزانية الدولة والكتلة النقدية

VI ميزانية الدولة والكتلة النقدية

لقد أوضحنا في الحلقتين الماضيتين وجود التلازم بين معدل نمو الاقتصاد ومعدل نمو الكتلة النقدية، والتفاعلات التي تجري بين التدفقات النقدية الخارجية وأرصدة ميزان المدفوعات ومكوناته (الميزان التجاري وميزان الحساب الجاري) وبين كمية وجودة (القيمة) العملة الوطنية المتداولة.

وبما أن أهداف تحليلنا الرئيسية تنحو من جهة للبحث عن تفسير « ندرة العملة » التي يشكو منها أبناء بلدنا حاليا، وإشاعة ثقافة اقتصادية ومالية ونقدية بأسلوب مبسط ويفهمه الجميع من جهة أخرى، فهذا التحليل سيظل ناقصا ما دمنا لم نعرج على علاقة ميزانية الدولة مع كمية العملة المتداولة والكتلة النقدية.

وكما فعلنا في الأعمال السابقة، سنقتصر على توضيح نظري فقط. وسيتم علاج الحالة الموريتانية بعد الانتهاء من جمع البيانات الكمية. بيد أن اعتباراتنا السابقة لا تمكننا من أن نطلق اسم الميزانية على ما هو مقدم محاسبيا في التقارير التي تمت مطالعتها ومن الممكن أنه خلال إنجازها كان يمكن إسناد المسؤولية لها في ندرة العملة المتداولة في حالة التأخر أو التباطئ في وتيرة صرف الخزينة العامة وتسارع وتيرة تحصيل الضرائب أو التركيز والاحتكار في علاقة الفاعلين الخصوصيين بالدولة.

الدولة: وكيل اقتصادي عادي

الدولة وكيل اقتصادي اتجاه سكانها والدول الأخرى.

وكما هو حال كل الوكلاء الاقتصاديين فالدولة من خلال ممثليها: تنفذ، تسدد، تخاطب، تَمثل أمام المحاكم، تملك الأموال، تمسك حقوق الملكية، تشتري وتبيع دون أن تكون تاجرا، تنفق، تستقبل؛ وتستطيع أن تحوز حسابات مصرفية وتحتاز العملة.

من بين كافة هذه الأعمال سنقتصر هنا على تلك التي تنتج عنها تسديدات الفضة أو قبضها والتي ومن ثم المادة المالية والنقدية.

إن الدولة تصدر في كل سنة وثيقة محاسبية تسمى الميزانية أو القانون المالي يتتبع المداخيل والمصاريف الإجمالية.

هذه الوثيقة يصادق عليها البرلمان باقتراح من الحكومة ثم يصدرها رئيس الجهاز التنفيذي.

وتتضمن هذه الميزانية كافة الحسابات التي تبين المداخيل والعائدات والمصاريف وتكاليف الدولة للسنة المدنية.

تحصل مداخيل الدولة وعائداتها من الضرائب على مداخيل الأفراد وأرباح الشركات وتدفع مباشرة للدولة من قبل المكلفين (الحديث هنا عن الضرائب المباشرة في هذه الحالة)، الرسوم على الاستهلاك أو على القيمة المضافة المتضمَّنة في أسعار الممتلكات أو الخدمات والمدفوعة لوسيط يحتفظ بها للدولة (والحديث هنا عن الضرائب غير المباشرة).

تشكل الضرائب عموما المصدر الرئيسي للميزانية.

والأعباء التي يمكن أن تصرفها الدولة تسمى المصاريف العمومية وتتكون من مصروفات التسيير ومصروفات التجهيز ومصروفات الاستثمار ومصروفات تدخلات الدولة (المجالات الاجتماعية والاقتصادية والدولية) وسداد الفوائد المترتبة على الديون.

تدفع العائدات الجبائية وعائدات الميزانية الأخرى للخازن العام في خزينة الدولة التي تودعها جزئيا أو كليا لدى بنكها: البنك المركزي.

والفارق بين العائدات ومصاريف الدولة يعطي رصيدا غالبا ما يكون سالبا وأحيانا موجبا ونادرا ما يكون معدوما.

  • « السيولة صفر » تعني أنه لا فائض ولا عجز وهو النموذج المثالي الذي ينبغي أن تطمح إليه الدولة لأنه في هذه الحالة لا تصرف موارد البلاد إلا فيما هو ضروري للتمكن من السير ولتلعب دورها دون اللجوء عبثا إلى اقتصاد مخاطر التضخم والتنازل. وكثير من الرؤساء الأفارقة يجهلون هذا وهم متأثرون مسبقا بخطاب صندوق النقد الدولي ويعتقدون في فوائد فائض الميزانية حتى ولو كان بخنق القطاع الخاص وإبادته بضغط جبائي مفرط. توقف الماكينة الاقتصادية في طرف الطريق.
  • الرصيد السالب لسيولة الدولة هو الحالة التي تكون فيها عائدات الميزانية لا تغطي المصاريف –عدى سداد الاقتراض- الضرورية كأي عجز أو تمويل.
  • الرصيد الفائض هو الحالة التي تكون فيها العائدات تفوق المصاريف –عدى تسديد القروض- ويشكل مصدرا ماليا وقدرة على التمويل الذي يستحق التسيير المعقلن.

هنا تتوقف مقارنة الدولة بالوكلاء الاقتصاديين الآخرين والنقاط المشتركة معهم، والتي هي أكثر محاسبية واقتصادية أكثر منها مالية ونقدية.

العائدات والمصاريف ورصيد الميزانية أمور تؤثر على الكتلة النقدية

في مجال تنفيذ المالية العامة لا يوجد شيء محايد نقديا.

فكافة النفقات المصروف وكافة العائدات المقبوضة من قبل الدولة تؤثر على كمية العملة المتداولة وهذا ليس شاملا فيما يخص الوكلاء الاقتصاديين الآخرين.

تدفقات سيولة الدولة والكتلة النقدية

إن تسديدات الضرائب من قبل المكلفين لصالح الدولة في حسابات الخزينة العامة تشكل منتوجا ظرفيا لسيولة البنوك وسيولة الاقتصاد.

ذلك أن الوكيل الاقتصادي المكلف بالضرائب أو الرسوم أو أي التزامات جبائية أخرى اتجاه الدولة ليبرئ ذمته عليه بالفعل أن يخصم من العملة المكتوبة المودعة في البنك أو العملة النقدية التي يمسكها هو على شكل أوراق مصرفية (العملة النقدية).

والمبلغ المقابل لهذه المساهمة المدنية الإلزامية يتم دفعه للخزينة العامة التي يمكنها الاحتفاظ به في صندوقها أو إيداعه في بنكها، البنك المركزي.

وكما رأينا سابقا ففي هذه الحالة يقع هدم العملة: فالخزينة باعتبارها وكيلا ماليا وهي الذراع المالي للدولة. وموجوداتها التي تدفع بصفة كاملة في البنك المركزي تظل خارج المسار الاقتصادي.

وعلى إثر تسديد الضرائب يقع انكماش في سيولة البنوك وسيولة الاقتصاد عموما.

هذه السيولة يتم استرجاعها إذا أقدمت الدولة على تسوية مصاريفها ما لم تتوصل الإدارة لاستخدام الاعتمادات التي  تخصص لها.

ذلك أنه بمناسبة تسوية نفقات الدولة تستخدم الخزينة العامة مواردها لقضاء الموردين الوطنيين والموظفين وغيرهم من الدائنين. والحسابات المصرفية لهؤلاء يتم رفدها بالمبالغ المذكورة. ومن ثم ترتفع الكتلة النقدية.

غير أن البنوك والاقتصاد لا يحصل أي منها على السيولة إلا بمناسبة إنجاز نفقات الدولة.

العجز في الميزانية والكتلة النقدية

أولا يجب أن لا يلتبس علينا عجز الميزانية والعجز العمومي الذي يشمل مداخيل ونفقات الإدارات العمومية والمجموعات المحلية وهيئات الضمان الاجتماعي.

يتجلى عجز الميزانية في « الوضعية التي تكون فيها عائدات الدولة -عدى تسديد القروض- أقل من نفقاتها للسنة ». وهذا الرصيد سالب.

وعلما بأن الخزينة العامة لها حسابها في البنك المركزي فهذا الحساب يظهر مدينا بمبلغ العجز.

وفي هذه الحال يستطيع البنك المركزي منح اعتماد يسمى « تسبيقة » مقدما من لا شيء ويمكن القول بأنه لا أصل له (أقول شخصيا لكي أقترب من الروح الموريتانية أنه عبارة عن قرض انطلاقا من وضعية قوة السلطة المؤسسية وليس له أساس اقتصادي)، في انتظار أن تتمكن من تصفيته لاحقا دون تأخر كبير كي تتجنب المضاعفات التضخمية.

وهذا ما يسمى في اللغة النقدية: « القيام بتشغيل صفحة الأوراق ».

هذه العملية ينشأ عنها توليد غير مباشر للعملة من قبل البنك المركزي وضخ للسيولة في الاقتصاد أي زيادة في الكتلة النقدية مساوية لزيادة الودائع المصرفية الناتجة عن ذلك.

هذا العجز في الميزانية قد يحصل بالصدفة وبصفة عفوية أو غير مقصودة (أضاعف النعوت لأنني أجازف من أجل الاختراع)  إذا ما نشأ عن الظرفية أو فرضته الدولة في ظروف خاصة موضوعية أو ناشئة عن التسيير غير الصارم.

ويمكن للدولة أن تستخدم ميزانيتها وسياسات نقدية أخرى خصوصا كأداة ترمي إلى تصحيح عدم التوازن أو الاختلالات الاقتصادية، في محاولة بتنظيم تطور الإنتاج والطلب الشامل لكي تصل في نفس الوقت إلى الأهداف الأربعة ل »المربع السحري »: النمو الاقتصادي ومستوى منخفض من البِطالة والبحث عن استقرار الأسعار (التضخم) والتوازن الخارجي.

في مثل هذه الحالة يمكن للدولة أن تستخدم العجز لكي تدفع بالنشاط الاقتصادي والاستثمار و/أو الاستهلاك لتعويض -في فترة التنازل- اكتئاب المؤسسات الخاصة التي تكون في فترات التنازل لا تستبق زيادة الطلب وبالتالي لا تستثمر إلا القليل ولا تخلق إلا القليل من فرص العمل. وهي أعراض ملموسة في الظرفية الراهنة للاقتصاد الموريتاني.

الفائض والميزانية والكتلة النقدية

يُـترجم فائض الميزانية نقديا في انكماش الكتلة النقدية وسيولة البنوك لصالح حساب الخزينة لدى البنك المركزي الذي سيكون حينئذ دائنا بالعملة المركزية. وقد يترجم أيضا بكثافة الموجودات على مستوى السيولة المركزية أو الجهوية أو هما معا (في غياب السرقة والاختلاس اللذين ينتشران للأسف واللذين يزيدان من جهة أخرى الكتلة النقدية أو على الأصح الجانب غير المنتج والاكتناز بقدر ما هما مخفيان وما لم يُتبع ذلك بهدم للعملة في حالة فرار السارق أو رؤوس الأموال نحو الخارج. الجريمة الثلاثية!).

وهذا الفائض يمكن أن يكون غير إرادي أو إراديا (سياسة الاستقرار أو سياسة خفض التضخم).

هذا الفائض يمكن أن يستخدم للتسديد المسبق لديون الدولة.

ويمكن إيداعه لجني أرباح مالية.

وقد يسبب تباطئا في النشاط الاقتصادي أو يتسبب في الانكماش.

وهذا كله نسبي في المجال المالي والنقدي. فالكل مرتبط بالسياق بأبعاده المختلفة بما فيها الأبعاد النفسية.