Catégories
الاقتصاد مقالات

VIII الاعتماد المستندي أداة مصرفية تسهل التبادل التجاري الدولي

VIII الاعتماد المستندي يُسهل التبادلات بين الباعة والمشترين من بلدان مختلفة

كل شركة تؤسس أصلا لتنتج شيئا، ذلك أحد المبررات الرئيسية لوجودها. وإذا كان علينا التعرف على المنتج الذي صنعته المؤسسة المصرفية فسنقول إنه العملة بالأساس، ومهمتها الأولى الاستخدام كوسيلة للدفع وتسهيل التبادلات بین الباعة والمشترین وإتاحة قضاء الديون.

وتشكل العملة التي تنتجها البنوك التجاریة الأساس إن لم يكن إجمال الكتلة النقدية.

وبما أن البنك والعملة مرتبطان ارتباطا وثیقا فلا يمكن فصلهما (وجهان لعملة واحدة) وقد طالعنا القانون المصرفي الموريتاني للاقتراب من وقائعنا وإدراك التعريف الذي يمنحه لهذه أو لتلك.

وكانت مفاجأتنا كبيرة بالنسبة لنا حين اطلعنا على تعريف المشرع للبنك وهو–لا شك باقتراح من السلطات النقدية– وفق القانون 95 /011، المادة 2 التي تنص على ما يلي:

«يسمى بنوكا بمفهوم هذا القانون المؤسسات التي تتعهد وظيفة استقبال الودائع المالية المتاحة عنـد الطلب من الجمهور، واستخدام هذه الأموال لأنفسها أو لحساب زبائنها في عمليات الإقراض أو الصرف أو في الأسواق المالية والتي مع ذلك تدير وسائل دفع وخاصة الشيك بأيدي الزبناء».

مفاجأتنا واعتراضنا على هذا التعريف مضاعفان: أولا؛ لأنه يفهم منه أن الودائع تخلق السلف، ثم لأنها تعتبر الشيك وسيلة للدفع.

في حين أننا قد أوضحنا وسبقنا لذلك المنظرون والعلميون في التخصص البنكي والنقدي أن القروض هي التي تصنع الودائع وليس العكس.

وفيما يتعلق بـ«وسائل الدفع المتاحة للزبائن من قبل البنك والتي قُدّم الشيك كمثال وحيد عليها»، فنقول بأن هناك خلط بين المسافر والسيارة التي تحمله، إذ الشيك ليس إلا وسيلة نقل تحمل رصيدا مكونا من العملة المكتوبة المودعة في الحساب المصرفي. الحاوي الذي هو الشك والمحتوى هو العملة المحمولة .

هذا الفارق لم يفت على الفنان الموريتاني الذي حصل من أمير تكانت السخي عبد الرحمن الملقب الدان الذي فرق في المادة الموزونة بين الوعاء والمحتوی ووسيلة النقل.

طان زرع بكثیر
واعلاش اندیر طاهل     واعطان فاش اندیر
الفرق شاسع جدا إذا علمنا بان الشيك قد يكون بلا رصيد وحينئذ لا يكون وسيلة دفع إطلاقا بل قد يكون فقط تذكرة دخول السجن.

نيتنا أن نعالج وبصفة حصرية ومباشرة دراسة السبب الرئيسي لقيام البنوك التجارية وإنتاجها الأول ألا وهو العملة خاصة أننا ميزناها سابقا عن البنوك الأخرى والمؤسسات المالية غير المصرفية، غير أننا غيرنا رأينا بسبب اكتشاف تعريف البنوك الزائف الذي أثرناه للتو.

ولكي لا نزرع في أذهان قرائنا التباسا إضافيا فيظنون أن إنتاج العملة هو النشاط الوحيد للبنك فسنتطرق إلى خدمات ونشاطات البنوك التجارية الأخرى غير إنشاء العملة (والتكرار مقصود لتجنب الالتباس والخلط).

وسنكون مدعوين إذا للقيام برحلة بعيدة قياسا إلى عنواننا الرئيسي وذلك من أجل توضيح وشرح أكثر استفاضة ونعول على فهمكم وصبركم.

إن خدمات البنوك التي تعد بالمئات باعتبار أشكالها المختلفة، يمكن أن تصنف إلى صنفين من منظور إشكاليتنا؛ فمنها ما يدور حول الوظيفة النقدية للبنوك ومنها ما ليس له صلة مباشرة بهذه الوظيفة.

هذه الخدمات المصرفية المعوضة بالعمولات تدر غالبا أرباحا على البنوك لا تدرها أنشطة خلق العملة، أي أكثر من الفائدة على المدينين بالقروض الممنوحة للزبائن.

وفي مقدمة هذه الخدمات ذات الصلة غير المباشرة بالعملة، العملية المصرفية التي تأتي لدعم التجارة الدولية وتتيح الصرف بين العملة المحلية والعملات الصعبة الأجنبية.

الخدمات المصرفية المقدمة للتجارة الدولية

المبادلات التجارية المنفذة بصفة مباشرة « وجها لوجه » بين أشخاص يرتادون نفس السوق بنفس العملة تجسد التبادل بين البائع والمشتري بدون اللجوء إلى وسيط أيا كان. وهي فضلا عن ذلك أقل تعقيدا بكثير مما يمكن أن يربط العملاء الاقتصاديين في بلدان مختلفة باستخدام عملات مختلفة.

إذ لم يعد المشتري مجرد مشتري بل يصبح في هذه الحالة مستوردا وبائعا ثم مصدّرا.

والتنقل المكلف يتطلب ميزانية مالية تستهلك الوقت لا يمكن أن يسبق كل عملية مما يثير إكراهات وعوائق ومشاكل موضوعية.

وإنجاز هذه العمليات عن بعد يتطلب  إبرام عقود تجارية تجسد المسار التوافقي بين الطرفين.

غير أن مصالح الطرفين لا يمكن إلا أن تكون أكثر إلحاحا بين المشتري والبائع اللذين تفصل بينهما آلاف الكيلومترات.

فالبائع الذي يريد التخلص من بضاعته يخشى عدم تسديد المورد.

كما يخشى المشتري عدم تلقي الأملاك بالكم والكيف المحددين في العقد خلال الآجال المتفق عليها.

ولكي يأمن من مثل هذه المخاطر العارضة في هذا النوع من عمليات التبادل الدولية (مخاطر الإنتاج والنقل والأخطار المالية والتجارية وأخطار الصرف وأخطار السياسة)، فالمؤسسات المالية (شركات التأمين والبنوك والهيئات العمومية والخصوصية المشرفة على التجارة) رصدت تقنيات كثيرة للتأمين والدفع.

تأتي الاعتمادات المستندية التي تحكمها قواعد الغرفة التجارية الدولية -التي تنتسب لها 160 دولة- تشكل آلية تحمي في نفس الوقت البائع المصدر والمشتري الموَرد.

الاعتماد المستندي: ضمان ووسيلة للدفع

الاعتماد المستندي اتفاقية يعطي بموجبها المستورد الأمر لبنكه بأن يفتح اعتمادا مستنديا يضع بموجبه في متناول شخص مسمى أو طرف معين من قبله مبلغا من المال محددا مقابل تسليمه سند النقل وبوليصة الشحن ووثائق آخری.

وفضلا عن دور الوساطة فالبنك يمنح توقيعه ويتعهد بتسديد المبلغ المبين فور تسلم الوثائق المطابقة التي تفيد أن البضاعة تم إرسالها أو أن الخدمة تم إنجازها.

لقد اتضح إذن أن الاعتماد المستندي یشكل وسيلة تسديد وضمان للطرفين يجمع بين مصالحهم المتعارضة.

والتسديد لصالح البائع المستفيد من الاعتماد المستندي يتم القيام به بمجرد تقديم الوثائق التي تثبت إرسال البضائع المستوردة ومطابقتها لاتفاقية الاعتماد المستندي التي تتيح جمركة البضاعة.

هذا الضمان يمكن تعزيزه بتأكید الاعتماد من قبل بنك المصدر الذي يبلغ تضامنه مع بنك البائع الذي أصدر الاعتماد. فمن بنك مكلف بتبليغ الاعتماد يتحول إلى بنك مؤكد للاعتماد المستندي عندها يصبح « مؤكدا ولا رجعة فيه ».

أشكال الاعتماد المستندي

يمكن أن يكون الاعتماد المستندي قابلا للطعن أو غير قابل للطعن أو غير قابل للطعن أو مؤكدا.

  • الاعتماد المستندي القابل للطعن: وخاصيته أن صاحب البنك الذي يضمن التسديد يمكنه الرجوع عن التزامه قبل إرسال الممتلكات. هذه الصيغة قليلة الاستخدام.
  • الاعتماد المستندي الذي لا رجعة فيه: يضمن لبنك المستورد التسديد للمستورد الأجنبي ولا يمكنه الرجوع في التزامه إلا بموافقة كافة الأطراف وخاصة المستفيد من الاعتماد المستندي أي المصدر.
  • الاعتماد المستندي المبلغ: لا يعطي الضمان إلا بنك المستورد بينما يقتصر بنك المصدر على تبليغ الاعتماد مما لا يستبعد خطر البلد.
  • الاعتماد المؤكد الذي لا رجعة فيه: يعزز التزام بنك المصدِر بالتزام بنك المصدِّر الذي يتعهد تضامنا مع هذا الأخير بالتسديد للمستفيد. وإذا احترم هذا الأخير التزاماته نظريا يكون مطمئنا على الاقتضاء.

إجراءات تسديد الاعتماد المستندي

يمكن إنجاز الانفراج المالي للعملية عبر:

  • التسديد عند التقديم: يتم قضاء البائع من قبل البنك فور ما يحصل البائع على سند النقل (بوليصة الشحن) ويتحقق البنك من مطابقة الوثائق، الدفع المباشر!
  • التسديد لأجل: يعطي البنك تعهده بسداد المصدر عند حلول الأجل الوارد في اتفاقية الاعتماد المستندي.
  • التسديد بقبول الدفعات: وفي هذه الحالة يصدر المصدر وثيقة الدفعة التي يقبلها البنك المتعهد ويوقعها ثم يفي بالتزامه.
  • التسديد بالتفاوض: ويتيح التسليم الفوري لقيمة الوثائق من قبل البنك المفاوض.

يمكن التفاوض لدى بنك أو عدة بنوك.

وهذه الطريقة مستعملة في البلدان الانجلو-ساكسونية.