الرئيسية أخبار كلمة تأبين للمرحوم محمد محمود ولد أحمد لولي

كلمة تأبين للمرحوم محمد محمود ولد أحمد لولي

0
0

كلمة تأبين للمرحوم محمد محمود ولد أحمد لولي

لقد رحل عن هذه الدنيا منذ خمسة أيام طويلة ولكنه بقي إلى جانبي حاضرا بصور أكبر من السابق. إن حضوره مازال ويحرمني من التركيز بشكل متقطع ودائم.

تعود لي صورة ذلك الوجه “التُّرادي” الوجه الملائكي كما يقول الأستاذ اعل ولد ببوط قمري اللون فأرى من جديد تلك اللحية الفضية المضيئة وأسمع ذلك الصوت المخملي الذي تشكل بفعل القراءة المستمرة والترتيل الدائم للقرآن الكريم.

ثم تعود إلي تلك الصورة تلك الابتسامة المرحة والمشرقة بوميض أزلي يشع نورا يدهش الأرواح البائسة بالفرح والقلوب وكأنه يبشر بطلٍّ يتساقط قطرة قطرة دون توقف؛ أهو “أَرَدَان” بلغتنا الحسانية الذي يسقي أعماق الأرض ويحييها دون رعود ولا عواصف. إنها الرحمة التي تسقي العقول اليائسة والمتعطشة إلى بصيص أمل.

ثم تعود إلى مخيلتي تلك الصورة المتكاملة دفعة واحدة ثم تتلاشى من جديد من أمام نظري بشكل مفاجئ قطعة قطعة وتعود. والجميع لاينقطع عن مهاجمة ذاكرتي وفرض نفسه عليها. تلك العمامة البيضاء المحيطة بالرأس المرفوع دائما ليست إلا تاجا على رأس ملك الطهارة والنقاء بالمعني الحرفي والمالي بالتواضع وخفض الجناح.

والخيال الذي يتراءى من بعيد في اللباس التقليدي والنظيف دائما والأبيض الناصع دائما يُخبر بوجود مسجد بالقرب أو بوقت من أوقات الصلاة أو بشخص يحتاج طعاما أو مريض يطلب علاجا أو قريب أو صديق انتبه المرحوم إلى مواساته..

إنه – رحمه الله – كان في براءة الطفل الذي لم يعرف إلا حب أمه، أو سماحة ولطف عبد صالح قضى حياته طلبا لمرضاة الله عز وجل والإحسان إلى خلق الله تعالى.

إن هذه الملاحظات والمشاعر يحس بها كل نسان عند أول لقاء مع ذلك الرجل، محمد محمود ولد أحمد لولي.

إنها مشاعر تنبع من المظهر لكنها في الحقيقة انعكاس لشخصية فريدة تتمتع بقوى نفسية وروحية عميقة لايدرك كُنهها إلا الخالق سبحانه وتعالى.

أما نحن، فلا نرى إلا التجليات الظاهرة للعيان، ولا نفهم إلا المظاهر الخارجية مثل تصرفات هذه الشخصية وأعمالها الجليلة. وبتلك المقاييس والاعتبارات، يبقى محمد محمود ولد أحمد لولي رجلا من طراز وحيد لامثيل له بيننا فوق كل شيء ومتفوقا على الجميع..

إن ذكاءه الخارق مكنه من تجاوز أقسام في الثانوية قبل أن يلتحق بمدرسة الإبداع الفرنسي، المدرسة الأعرق في فرنسا، التي تكون أفضل ضباط بلد الجنرال ديكول.

فالشجاعة الكاملة هي “لُولِيَّة” عندما قام محمد محمود ولد أحمد لولي – وهو المسير والمشرف ورجل المبادرات والإدارة – بإجبار القيادة العامة للجيش على قبول قراره الشجاع بتعريض جسده لمشاق العيش في الصحراء وأن يحيى حياة التقشف والحرمان والمصاعب بل وأن يعرض حياته للخطر دفاعا عن الوطن بين الجنود والضباط على كل الجبهات..

ولقد أصيب بجروح بليغة أثناء إنقاذه حياة جندي جريح في ساحة القتال من نيران العدو، حيث أصيب بعدة أعيرة رشاش كثيفة ولم يكن معه أي سلاح.

وعندما أصبح رئيسا للدولة لم يستطع – الموريتاني الأول صاحب الروح الصافية والعقل المتنور – أن يتابع قيادة الدولة في ظل نظام لايمكنه تحقيق الأهداف بالشكل المرجو بسبب نقص النجاعة والفعالية في أغلب الأحيان.

وبما أنه في حياته لم يعرف إلا المجد والنجاح وأعمال البر، فقد كانت لديه حساسية من الذنوب والهفوات وخشي التقصير في حق الله والعباد، ففضل الانسحاب حبا وكرامة بهدوء إجلالا لربه عز وجل وحبا لشعبه ووطنه، وأصبح “حمامة مسجد” وتفرغ لبناء علاقة وطيدة مع ربه ومع إخوته في البشرية عموما والوطن خصوصا.

إننا نفخر بك ونعتز بك يا محمد محمود ولد أحمد لولي.

الوطن الكبير موريتانيا يفخر بك كذلك.

وستبقى إلى الأبد مصدر إلهام ومثالا يحتذى.

وسنظل نكن لك احتراما عميقا.

ما أكثر المفاخر والقيم الخالدة المرتبطة بمحمد محمود ولد احمد لولي والتي هي وسام شرف على جبين القصر رئاسي رغم أن صاحبها لا يولي لها أي اهتمام ويمر عليها مرور الكرام، لأنه لم يكن يريد علوا في الأرض ولا فسادا ولا امتيازات ولا تشريفات…

لقد تركتَ الرئاسة فرحا مسرورا بتلك المغادرة، ولكنك اليوم تغادرنا نحن جميعا وتركتنا في ألم وحزن عميقين، ويطول الحداد على فراقك سنوات وسنوات… لكننا لن ننساك أبدا..

أتقدم بالتعازي القلبية إلى الجمهورية، وإلى الشرف، وإلى الإخاء والعدل، وإلى زملائه في الجيش الوطني، رفاق السلاح وإلى ذويه وإلى زملائه في الدراسة وإلى عائلته الكريمة.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.