الرئيسية أخبار إصلاح الجامعة لتنمية الوطن

إصلاح الجامعة لتنمية الوطن

0
0

ي عام  2007 أي قبل 12 سنة نشرت هذا المقال للفت انتباه الرأي العام الموريتاني وأصحاب القرار  إلى الحاجة الماسة للإسراع في التحرك من أجل وقف الانحدار المستمر للتعليم في بلادنا، واستعادته لمكانته.
وقد تم اعتماد بعض المقترحات التي تقدمت بها في هذا الصدد كـ:- فصل المصالح الخدمية عن الأعمال الجامعية والمصالح الأكاديمية- إقامة نظام يتضمن رقابة أكثر- أيام تشاورية لم أشارك فيها وقد ظهر أن البعد الإعلامي والبعد الترويجي فيها كان طاغيا على البعد المؤسسي الذي كان يهدف إلى إحداث تغيير حقيقي وبناء.
وها أنا أعيد نشر هذا المقال من جديد لأن إشكالية التعليم أصبحت اليوم من أهم أولويات الأحداث، ولأن الوضعية لم تتغير من الناحية الجوهرية في الاتجاه الصحيح.
وأرجو أن تساهم هذه المشاركة في تطوير الأفكار والرؤى حول هذه المسألة الاستيراتيجية والحيوية والتي تتوقف عليها جميع المسائل الأخرى.
الدكتور محمد محمد الحسن

إصلاح الجامعة لتنمية الوطن

انواكشوط اينفو، مايو 2007

يجب فعل أي شيء، بصورة متميزة هنا والآن. كما يجب التفكير في كيفية إعادة تشكيل جامعتنا لتحظى بالمصداقية ولتمكينها من تزويد الطلبة والطالبات بمستوى ثقافي مرضي وذلك لإعدادهم لممارسة حياتهم المهنية.

بعد أيام قليلة يفترض أن يسدل الستار عن سنة دراسية تكاد لم تبدأ بعد… وطلبة يؤدون امتحانات لم يستعدوا لها … وأساتذة يستعدون لإجازة للراحة بعد جهد لم يبذلوا منه إلا جزء… وإدارة تتهيأ لتقديم نتائج تبرر جهد ونشاط عام دراسي كامل، وهو في الحقيقة ناقص وغير مركز … يجري هذا كله بكل يسر وسهولة… والكل يؤدي دوره.

إن موضوع هذه الورقة هو دعوة حضراتكم للتفكير في مجموعة أفكار حول رسالتنا كأساتذة في جامعة انواكشوط من زاوية مهنية بعيدة عن أي ضغوط ايديولوجية أو مناورات نقابية أو سياسية.

وسبيلنا إلى ذلك ليس إلا الضغط بواسطة الكلمة وقدرتها على التعبير بعد التشخيص لمزيد الفهم والإيضاح للأسباب، والأبعاد.. والحلول.

إنني أحدثكم بصوت تملؤه الإرادة الايجابية التي تبحث عن طريق تؤدي إلى فتح آفاق جديدة.

ألم يحن الوقت للتحاور حول المشاكل الحقيقية التي تواجهنا؟

الم يحن الوقت لطرح الحلول الواعية والمعقولة ؟

ألا يجب علينا الكف عن التجارب الأليمة التي عشناها والتي أثبتت الأيام أنها لا تفضي إلا للانحطاط والخسران؟

هل يمكننا مواجهة الحقيقة أو نستمر نخدع أنفسنا ونخدع الآخرين؟ كما تعلمون فإن بلادنا تخوض تجربة تبدو حتى الآن في بداياتها السعيدة.. ككل تجاربنا السابقة التي للأسف لم تنته إلا بالاتهامات والإدانات . لقد بدأت بلادنا تلفظ الماضي وتتهيأ لاستنشاق هواء عهد جديد![1]

زملائي الأعزاء أعزائي الطلبة

هل نستطيع – فيما يعنينا ـ وفي مجال عملنا انطلاقا من مهنتنا كأساتذة وطلبة علم المساهمة في جعل هذه التجربة تنتهي بصورة مشرفة مفيدة لجامعتنا وبلدنا؟

ألسنا نشكل بالنسبة لبلدنا مخزونا هائلا من الطاقة والمقدرة على التحليل والأحكام وكلها طاقات يجب ان نعبر عنها بكل تصميم في هذا الظرف التاريخي؟

أو أن قوى التخلف ستتقدم لتعبر عن إرادة ومقدرة أعلى من إرادة ومقدرة قوى النهضة باستخدامها للشعوذات والغش لتوقف العقول النيرة عن الانضمام لأي مشروع تجديدي؟

أيا كان الموقف فإنني أناشد عقلانيتكم ومقدرتكم على التفهم والبحث عن حلول ملائمة للمشاكل المطروحة قبل أن تتكتل أمام هذه المقترحات قوى الجمود والتحجر.

ويتعلق الامر بالعام الدراسي  2006 -2007  والذي تميز باستثائية نظرا لخوض موريتانيا لسلسلة من الاستحقاقات الانتخابية بلدية، وتشريعية ورئاسية سبقها استفتاء على تعديلات دستورية. تلك الاستحقاقات الانتخابية تسبقها عادة حملات دعائية تتطلب تعبئة مكثفة تبعا لهذا الفريق أو ذاك مما يجعلها دائما مناسبة للاحتفال والاستعراض او عكس ذلك من هزيمة واحباط.

وكما تعلمون فلا الطلبة ولا أساتذتهم غابوا عن تلك المناسبات، وإذا أضفنا الى ذلك العطل العادية او التوقفات المتتابعة للإضرابات، سوف نلاحظ مدى قصر المدة التي كانت الجامعة فيها خلال هذه السنة مكانا لتلقي الدروس والمحاضرات. مدة غير كافية لم تمكن الأساتذة من استكمال مناهجهم ولا الطلبة من التركيز واستيعاب تلك “المقتطفات ” من الدروس التي قدمت لهم.

هل نحكم على هذه السنة الدراسية والتي قاربت نهايتها بأنها كانت كارثية؟ أو كانت سيئة؟ أم كانت الأسوأ على الإطلاق؟ إن الإجابة بنعم أو لا تعتمد في رأيـي على ردة فعلنا وحالتنا تجاه الحدث أو حيال التاريخ.

في الواقع فان الشعب الموريتاني والذي نحن جزء منه والمفترض ان نكون في طليعته، قد استطاع التعبير عن نفسه على كل المستويات من خلال صناديق الاقتراع لاختيار هؤلاء الذين سوف يسيرون مستقبله ويحددون مصيره.

وقد حدث هذا عبر التنافس وعد الأصوات. كانت الأعداد والنقاط صحيحة.

إذا نحن طبقنا هذه الحالة على أنفسنا طلبة وأساتذة وانتقلنا من خانة الدراسة الى حالة البلد. سنجد أن السنة كانت ايجابية إذا نحن وعينا الدروس المطروحة واذا نحن استلهمنا من الشفافية التي طبعت هذه الانتخابات التي عشناها.

بذلك نكون قد نقلنا حالة سلبية الى حالة ايجابية تفضي الى حالة من الرحمة اذا اعتبرناها سنة انطلاقة نحو النهضة تكون للجامعة فيها مكانة الطليعة.

ولن يكون ذلك بدون الاعتراف وتقبل حقيقة كون الامتحانات النهائية لهذه السنة ليست واردة!

فالحد الأدنى للدروس الواجب تحصيلها لم يبلغ أية نسبة تذكر مما سبب عجزا في نسبة التحصيل العلمي ينضاف اليه العجز المتراكم من السنوات السابقة والذي اوصلنا الى هذا المستوى الغير معقول أو مقبول. فالطلبة عند دخولهم أو تخرجهم من الجامعة لا يحملون معهم الحد الادنى من العلم المفترض ان تمثله الشهادات التي نمنحهم اياها. يجب الاعتراف باننا نعطيهم درجات لا يستحقونها. وهذا غش وتزوير يجب الاعتراف به وتجاوزه.

إن الشهادة الجامعية التي لا يتمتع حاملها بقبول دولي او اقليمي لا تختلف في مضمونها عن الشك بدون رصيد.

قطعا في الجامعات فإن شهادة الـمتريز تمنح بعد أربع سنوات وبالقطع أيضا ـ على سبيل المثال ـ فإنه للوصول إلى مدينة “شكار” انطلاقا من نواكشوط، تلزمنا أربع ساعات في سيارة تسير بسرعة 80 كم في الساعة كمتوسط ودون توقف. إذا نحن توقفنا عدة مرات ل 45 دقيقة لشرب الشاي وسرنا بسرعة 50 كم في الساعة، فلن نصل إلى غايتنا في أربع ساعات. لو أن السيارة تعطلت كما هو الحال بالنسبة لسيارات الأجرة فلن نصل في الوقت المحدد، بل سوف نضطر لتغيير السيارة، أو انتظار سيارة مارة نطلب منها أن تقلنا إلى وجهتنا.

لقد مرت أربع ساعات وسنلاحظ اننا لم نصل الى “شكار”، سنجد أنفسنا في “إيديني” أو في مكان ما من الصحراء.

نحن نقول لركابنا: لقد وصلتم ونعطيهم شهادات تؤيد ذلك تسمى المتريز.

ونحن نعلم ماذا يحدث للمسافر عندما يستصحب الوهم وهم الوصول وما يزال عليه تكملة الرحلة اما سيرا أو كراء سيارة جديدة او طلب توصلة من سيارة مارة بالصدفة!

نعلم كذلك ما يحدث لطلبتنا لدى استصحابهم لوهم للهروب إلى الأمام وما ينتظرهم من بطالة وإحباط وتدخلات وتكوين جديد إلى آخره ..

على كل قيل: من الأفضل أن تكون عالما دون الاعتقاد في ذلك. على ان تعتقد أنك عالم وأنت لم تبذل عناء بلوغ درجة العلم.

باختصار شديد التعليم الجامعي في موريتانيا مرادف للفشل. كل الموريتانيين يرددون هذه المقولة ولم يذهبوا لأبعد من ذلك.

أما نحن فقد وفرنا جزء من طاقاتنا لتحليل هذه الظاهرة واقتراح الحلول.

كيف ولماذا أصبح التعليم بصفة عامة وخاصة الجامعي بموريتانيا قرينا للفشل؟

عادة ما يطرح الموريتانيون السؤال بصيغة ” من فعل أو تسبب في ماذا” مما يؤدي الى ضغائن وخلافات كثيرا ما تبعدنا عن الموضوعية في معالجة أي مشكلة أو إشكالية. وعلى الرغم من كون السؤال بهذه الصيغة وارد الا اننا من جانبنا ندعو إلى تتبع منهجية اخرى في التشخيص الموضوعي بغية الوصول لحلول موضوعية وناجعة تؤدي إلى الالتفاف حولها لا الخلاف عليها.

ان هدفنا الأساسي من خلال هذا الطرح هو إثارة حالة من الحوار حول موضوع يهمنا جميعا حاضرا ومستقبلا.

بعض الاسباب التاريخية

إن مدى تأثير نظام التعليم الذي تكونا نحن الأساتذة من خلاله بكل جديته ونجاعته جعلنا لا نفطن إلى ما حدث لمستوى طلبتنا الوافدين إلينا من الثانويات مع اختلاف الظروف والمناهج في المراحل الابتدائية والثانوية فقد تولى تكوين الجيل الذي ننتمي إليه نخبة من الأساتذة على درجة عالية من الكفاءة والموهبة . أما مراحل التعليم العالي التي مررنا بها في الخارج وتمتعنا بالبعد في الزمان والمكان، أضافت لتجربتنا خبرة وثراء.

هذا المستوى من التعليم كان من نصيب نخبة محدودة.

لقد كان لتدفق الأعداد في السبعينات والثمانينات دخل كبير وتأثير سلبي أدى إلى زعزعة النظام التعليمي المرموق.

ولا شك أن التغيير الكمي مع الانفجار السكاني لم يتبعهما أي تعديل في اساليب المعالجة.

ففي الوقت الذي كانت فيه النتائج ايجابية ومدهشة خلال العقدين الذين أعقبا الاستقلال، إلا أن التعليم أصبح مرادفا للفشل منذ الثمانينات وحتى يومنا هذا.

منذ ذلك الحين وعالم التعليم يشهد تطورا يؤسف له كبقية القطاعات العمومية مما يجعلنا كل في موقعه متواطئا بشكل لا شعوري.

في الماضي القريب فان هدف العملية التعليمية كما هو الحال بالنسبة لجميع الخدمات العمومية الأخرى تحول عن مساره ليرتكز حول مصالح ومشاكل هؤلاء القائمين عليه وتسييره. فقد تركزت الاهتمامات حول مواضيع كطبيعة المزايا المالية أو المادية والمناصب وغيرها، عوضا عن الاهتمام بمدى تحصيل الطلبة للعلم والمعرفة. كما أننا عانينا من مرحلة طويلة من الجمود نتيجة للركاكة المعدية في القمة والاستمرارية في الوظائف والتي تؤدي إلى العجز في الأفكار والممارسات.

الأسباب التنظيمية والمؤسسية

* وجود جامعة واحدة يؤدي إلى الاحتكار ولا يفسح أي مجال لأي تنافس خلاق يرفع من مستوى التعليم،

* كما أن مركزية الادارة والجمع بين المهام المختلفة كالتشريع والمراقبة ومشاكل الطلاب والمطاعم ووسائل النقل وغيرها تؤدي إلى عدم الاتفاق وضياع المسؤولية،

* غياب الرقابة الداخلية وأثره السلبي على مجمل العملية التعليمية، والمستوى التعليمي، فلا رقابة ولا امتحانات فصلية ولا حضور ولا غياب، وكأن كل المطلوب من الطالب ليحصل على درجته الجامعية مسألتان فقط: الأولى التسجيل في البداية وحضور الامتحان في النهاية وما بينهما يتبع إرادته ورغبته الشخصيتين،

* غياب استراتيجية وطنية للتعليم الجامعي.

أسباب تتعلق بالحالات العقلية السائدة

ليس من المعقول ولا من المقبول أن تتجاوز معايير النجاح في المجتمع. أي مجتمع العلم والمعرفة، لكن هذا هو السائد  ومنذ بداية الثمانينات كما أسلفنا في مجتمعنا بحيث لم يعد يعير الطالب أي اهتمام لتحصيل العلم والمعرفة حيث أن مجتمعنا لم يعد يعير هذه القيم أي اهتمام مما انعكس سلبا على الطلبة وتفشت ثقافة “الكزرة” والتفاخر بالجهل.

إذا قمنا بتحليل سلوكيات بعض شرائح الطلبة فمنهم من لا يأبه بقيمة الدرجة الجامعية والعلمية في حياته فقد يصبح حلاقا أو سائقا… أو… أو…، لكنه في نفس الوقت لا يمانع في الحصول على شهادة جامعية ـ بطريقة ما ـ على سبيل التفاخر أو ذر الرماد في العيون، هؤلاء على وجه الخصوص ـ وهم أقلية ـ  يستخدمون الوساطات والمحسوبيات وأحيانا نشر الفوضى والاضطرابات للحصول على غاياتهم (صاحب أهل أنجرتو ما يْسَلَّكْ وُلاَ يْخَلِّ اللِّي ْيسَلَّكْ) ومع ذلك يذمون الجامعة والجميع وهم أخيرا يمثلون الشريحة الوحيدة التي تعارض أي مشروع للإصلاح.

شريحة أخرى تهتم بالعلم والمعرفة لكنها لم تصل بعد إلى وعي ما يترتب عليها من جهد ومثابرة للحصول على ذلك العلم أو تلك المعرفة.

شريحة أخيرة تريد العلم وتعلم مدى ما يجب عليها من جهد في سبيل ذلك، لكنها وبفعل ما ترى من تأثير سلبي لسلوكيات الشريحتين السالفتين لا ترى ضرورة لبذل الجهد المطلوب في محيط يتسم بالسهولة واللامبالاة وهاتان الشريحتان لا يأتيان إلا بأقل من الحد الأدنى  المطلوب من الجهد.

بالنسبة للأساتذة ولست خبيرا بهم إلا أنني ارجع الخلل إلى أوضاعهم الوظيفية والمالية، فوضعيتهم الحالية لا تسمح لهم بالتركيز في العملية التعليمية. فمنهم من تتولى الدولة تسوية أحوالهم المادية خارج نطاق الجامعة مما يجعله يأنف من مهنة التدريس في الجامعة. فكيف لنا أن نتصور تعليما جامعيا محترما في الوقت الذي يزدري فيه الأستاذ الجامعي مهنته الأكاديمية الأساسية التي هي التدريس في الجامعة؟

هناك أيضا عدم رغبة هؤلاء الذين حصلوا على شهاداتهم في الخارج في ممارسة التدريس في الداخل، ومنهم من إذا عاد يجهد في العمل على الخروج مرة أخرى.

في كل الأحوال فإنني أرجع تلك السلبية علينا نحن الأساتذة نتيجة لعدم مبالاتنا بما يجري حولنا.

فيما يتعلق بآباء الطلاب، اعتقادهم بأن مسؤوليتهم تجاه أبنائهم الطلبة تتوقف عند بلوغهم المرحلة الجامعية مما يؤثر سلبا بانسحاب شريك أساسي في هذه المرحلة. وبالتالي أصبح هناك فراغ في عملية التأطير لغياب عنصر أساسي وهو الآباء مما يدفع الطلبة الى مزيد من الحرية الغير منضبطة.

الإدارة تعتبر شريحة الطلاب الجامعيين مصدر قلق وزعزعة واضطرابات مما سبب لها ما يسمى “الخوف من الطلاب”. وتستخدم معهم سياسة “لا تحرك الساكن” لوعيها الكامل بعجزها عن الوفاء بدورها تجاههم حاضرا ومستقبلا، فالمهم عندها تلبية رغباتهم بدلا من تحقيق مصالحهم “لا يورطك همهم المهم ألا لخلاڭ”. كما في المثل الحساني.

وللتاريخ نقول إن موريتانيا ومنذ 1978 وحتى يومنا هذا دخلت في أزمة وجودية وذاتية خانقة عبر سلسلة من الأحداث المختلفة كانت لها آثارها السلبية والممتدة مما أدى إلى تراجع القيمة وقبول تدني المستوى بما في ذلك  الجامعة التي من المفترض أن تكون الْمُوَّرد الرئيسي للدولة بالقدرات البشرية.

سياسة الانغلاق والانطواء على النفس والتقوقع أدت إلى غلق النوافذ عن رياح التطور مما حرمنا من متابعة ما يجري في العالم والتركيز على المشاكل والدوران حول ما نحن فيه مما أدى إلى مزيد من التدني في المستوى حتى أصبحنا بمعزل عن أي مرجعية سوى أنفسنا.

أخيرا غياب لغة الحوار والانغلاق أمام الأفكار واعتبار الحوارات من المحرمات جعلت من مواجهة التحديات وإيجاد الحلول اللازمة لها أمورا مستحيلة آنذاك.

الآن وقد استعرضنا الإشكالية وأسبابها وسلبياتها، يجب علينا التفكير في الحلول المناسبة ـ ومن المعلوم ضرورة أن كل مشكلة تحمل في طياتها الحل المناسب والممكن في الزمان والمكان ـ (فلا مشكلة دون حل) ثم الانتقال الفوري من مرحلة التفكير إلى مرحلة التنفيذ الفوري لتلك الحلول في إطار من الموضوعية والشفافية.

وتنقسم الحلول المقترحة للنقاش إلى قسمين حلول آنية وحلول مستقبلية.

الحلول الآنية الفورية والمستعجلة:

تجدر الإشارة قبل كل شيء إلى أنه كلما تكلمنا عن إصلاح التعليم نعني الوافدين للتعليم في مراحله الأولى دون الاهتمام بمن درجوا بالفعل في مراحله المختلفة وكأن الإصلاح لا يعني أو يشمل التعليم العالي، مما ولد انطباعا بأننا نعيش في مجتمعين منفصلين وكأن التعليم العالي غير معني بأي إصلاح .. في حين أننا نعتبر أن الطريقة المثلى هي طريقة أهل لحمنات[2] تجاه إبلهم فعندما تواجه مشكلة ما فإنهم يكونون خلفها وبينها في الوسط وأمامها. من ناحية أخرى فإن الإصلاحات التي يمكن إجراؤها على التعليم العالي تأتي بالقيمة المضافة على التعليم العالي نفسه وآثارها الايجابية على المراحل الأدنى بحيث تشع صدى الجدية والحزم في طلبة المراحل الثانوية فينشطوا برفع مستواهم المؤهل لهم لدراسة جامعية  علموا أنها لم تعد بالسهولة التي كانت سائدة.

ومن اجل تطبيق فوري لا يقبل أي تأخير أو تسويف نقترح على سبيل المثال ولمزيد من النقاش:

1 ـ بالنسبة للسنة الدراسية الحالية يجب إلغاء امتحانات التجاوز وإجراء امتحانات بيضاء لتحديد المستوى فقط حتى نتيقن من الثغرات الموجودة ومن ثم نخطط لمرحلة أخرى من تعويض وسد لهذه الثغرات

2 ـ تنظيم ملتقيات حوارية بين الاساتذة من جهة والاساتذة والطلبة والاباء والادارة من جهة اخرى

3 ـ زيادة المدة الدراسية لهذه السنة بشهر حتى يتسنى لنا إجراء امتحانات التقييم وإجراء الحوارات المشار إليها أعلاه.

4 ـ إن التجديد يتطلب منا كأساتذة المشاركة بحماس وفعالية لتعويض الطلبة عما فاتهم وسد الثغرات في مختلف المستويات واقترح أن نبدأ من السنة الدراسية القادمة بتحديد ساعتين إضافيتين يوميا (تطوعا ومجانا) يحاضر خلالها الأساتذة بما يعوض على الطلبة ما فاتهم وفقا لنتائج امتحانات التقييم التي أشرنا إليها (تقريبا 200 محاضرة بمعدل محاضرة أو محاضرة ونصف لكل أستاذ)

من جهة أخرى يخصص الأستاذ بالاتفاق مع الطلبة والإدارة ساعات إضافية يعوض عنها من الجامعة.

ومن المفضل لكل أستاذ إنشاء موقع إلكتروني يتبادل من خلاله مع طلبته الدروس والمحاضرات، كما يمكن له من خلال هذا الموقع تبادل المعارف مع زملائه في الدول الأخرى.

ولا شك أن من شأن هذه الوسيلة أن تربط طلبتنا وأساتذتنا بأحدث العلوم والمعارف بحيث يعتاد الطالب او الطالبة على استخدام أحدث وسائل الاتصال في العصر.

وكل أستاذ عليه التفكير فيما يستطيع أن يضيفه من تحسين الأداء على المادة التي يدرس. وأعطي مثالا على ذلك فإنني أقوم بتدريس مادة “التدقيق” وهناك المئات من مهمات التدقيق  التي تجري في البلد، لذلك فإني أقترح أن تتفق  الجامعة مع وزارة المالية مثلا على منح الطلبة الذين يدرسون هذه المادة فرصة الالتقاء مع بعثات التدقيق لمحاولة تدريبهم على الممارسة العملية لما يدرسونه نظريا، مع إمكانية حصولهم على تعويضات مالية.

في إطار البحث عن حلول لمشاكل الأساتذة والطلبة في شقها المالي وحيث أن الدولة يهمها عدم تسرب العقول بحثا عن موارد إضافية… اقترح أن تقوم الدولة بتخصيص مبلغ 2 مليار أوقية للسنتين المقبلتين من خلال آلية لدعم البحث العلمي وتحديد الدراسات والاستشارات التي تحتاج إليها الدولة في مختلف الوزارات بما في ذلك  الدراسات الخاصة بقضايا التعليم إلى الجامعة من خلال أساتذتها الاستشاريين والباحثين إلى جانب مكاتب الخبرة الأجنبية، كما يمكن تكليف الطلبة بإشراف الأساتذة على المشاركة في بعض مراحل هذه الدراسات كجمع المعلومات الخ … ولا يخفى على الجميع مدى حاجة الدولة في انطلاقتها الجديدة للكثير من تعبئة القدرات لإنارة وتشخيص الإشكاليات المطروحة من خلال الدراسات والاستشارات لتفادي الارتجال والتجاوب العشوائي.

ملاحظة: مبلغ الملياري أوقية قد يبدو لأول وهلة مبالغ فيه غير أنه نتج عن حساب متوسط دخل رجلين/ شهر عن كل استاذ في السنة من عمل الاستشارة.

بعض الحلول الهيكلية:

حل مشكلة الأساتذة المادية:

  1. تشجيع الاساتذة المتواجدين في الخارج للعودة والتدريس في جامعتنا في إطار المقترح السابق بإنشاء آلية لتمويل الدراسات يمكن أن يحل المشكلة آنيا. ويتم تقييم الوضع المالي للأساتذة وتثبيت مخصصاتهم خلال السنتين المقترحتين لتبدأ سارية المفعول اعتبارا من السنة الثالثة.
  2. الأخذ بمبدأ المكافأة والعقوبة بغرض دعم نظام الرقابة الداخلية في كل مراحل العملية التعليمية.
  3. دعم نظام الرقابة المستديمة والامتحانات الفصلية بحيث يشكل الامتحان النهائي 30% فقط من مجموع الدرجات[3].
  4. رفع مدة الدراسة في السنة الدراسية الجامعية الى عشرة أشهر بدلا من ستة أو سبعة فعليا والتفكير في نظام الساعات حيث أن نظام الشهور لايحقق النتيجة المنتظرة.
  5. إضافة سنة دراسية تحضيرية قبل الدخول للجامعة تدرس فيها المنهجية واللغة والثقافة العامة الح .. وذلك لسد الثغرات الآتية من المرحلة الثانوية من ناحية ولتحديد مستوى المترشح ومدى صلاحيته للولوج في سلك الدراسات الجامعية من عدمه.
  6. إضافة سنة خاصة لنيل شهادة دراسات عليا وحذف درجة المتريز… وذلك لتعزيز الطموح لنيل العلى في عقلية الطالب بعد أن أصبحت كلمة “متريز” لا تساوي سوى أربع سنوات من الدراسة دون اعتبار لمحتواها.

السبب الآخر الموجب لزيادة المدة هي قضية الوقت فالمساحة واحدة والسرعة لم يأت من ورائها إلا التأخر في المسافة وبالتالي فان التعويض لن يأتي إلا بإضافة سنة خامسة[4].

كما أن السنة الخامسة المقترحة تتيح للطالب فرصة للبحث والتدريب والتهيئة للدخول في مجال العمل فيما بعد[5].

وهنا أود أن أشير إلى أنني لاحظت مثلا أن كثيرا من طلبة كلية الاقتصاد يقدمون أبحاث تخرجهم حول موضوع “رقابة التسيير” وهو موضوع لا وجود له في الواقع العملي لموريتانيا فهو موضوع يعني الدول الصناعية المتقدمة بالدرجة الأولى.

من هنا تأتي أهمية أن ترتبط أبحاث ورسائل الطلاب بالواقع العملي، هذا ما جعلنا نقترح السنة الخامسة والتي ستخصص منها ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر للتدريب العملي.

قد يقول البعض إن عدد الطلاب في السنة الخامسة المقترحة سيكون أكثر مما تستطيع المصالح استيعابه للتدريب،  لهؤلاء نقول كم من وزارة عندنا كم من مصلحة وشركة ومؤسسة وهيئة مهنية؟ ثانيا فان الجامعة يجب عليها أن تنتقل إلى حالة هجومية على مختلف الوزارات وذلك بفرض طلبتها على مختلف الهيئات كل في تخصصه للتدريب ومن ثم العمل والتوظيف، وإن كان لزاما لذلك إنشاء إدارة خاصة في الجامعة مهمتها التنسيق مع المحيط العام في هذا الصدد فمن حق الطالب على الجامعة أن تساعده من خلال التدريب على الاطلاع على الواقع وبداية اتصاله مع سوق العمل، عندها تكون الجامعة قد أدت جزءا من واجبها تجاه خريجيها. ولا يخفى التأثير الايجابي لإطالة مدة الدراسة على رفع الضغط عن البطالة وتحسين المستوى مما يهيئ الخريجين لسوق العمل.

  • يجب تقسيم الجامعة الحالية إلى جامعتين بغرض خلق المنافسة وفرصة التحسن النوعي نظرا لانتقاص أعداد الطلبة. كما يجب الإعراض عن الأفكار التي تروج لضرورة إنشاء جامعات أخرى او حتى تلك التي تروج لإنشاء مستوى لدراسات السلك الثالث، مرة أخرى.

هذا كله هروب إلى الأمام والمطلوب والوارد في هذه الوضعية هو إصلاح وإتقان وإعادة تنظيم ما هو موجود بين أيدينا حاليا. على أن يتم التفكير في إنشاء مدينة جامعية خارج نطاق انواكشوط لأسباب بديهية جدا.

إنشاء هيئتين مستقلتين[6]

  1. الأولى: تُعنى بالتوجهات الأكاديمية والتعليمية والبحث العلمي والتدريب وهي الجامعة[7].

الثانية: وهي مستقلة عن الجامعة إنما تنسق معها وتهتم بكل ما يعني الحياة الجامعية وأنشطة الطلبة (النقل ـ المطاعم، المنح .. الخ )[8]

فليس من المعقول أو المقبول أن يخلط الأساتذة المسيرون للجامعة مهماتهم الأساسية مع مهمات أخرى كالمطاعم والملاعب إلخ.

  1. إنشاء مجلس أعلى للتعليم العالي يتكون من أكابر الأكاديميين وأعضاء من الإدارة والآباء والطلاب يوجه ويراقب ويتابع سير هذه المرحلة.
  2. وضع خطة تمويلية استثنائية للسنوات السبع القادمة بمشاركة الدولة والممولين والخصوصيين والشركات لتمويل مصاريف الإصلاحات المقترحة، لكون التعليم هو القضية المركزية الملحة التي من خلالها يتحدد مستقبل البلاد.
  3. الانفتاح على الخارج والجامعات الأجنبية وتبادل المساعدات والأساتذة وبصفة خاصة يجب الاستعانة على وجه التحديد والاستناد بالتجربة التونسية الناجحة دون شك في مجال التعليم العالي.

تلك المقترحات بالحلول لإشكاليات ومشاكل الجامعة بكل أبعادها آنية أو مستقبلية لن يكون لها أي تأثير ما لم نتسلح نحن الأساتذة بالحزم والجدية والشفافية ونطوي كل صفحات الماضي بما فيها الغش والتزوير وإعطاء من لا يستحق ما لا نملك  وبذلك نكون قد انعطفنا مع موريتانيا في مسارها الجديد الذي نتطلع جميعا أن يكون مسار جد وقوة وتقدم .. فلنكن نحن الأساتذة في طليعة هذا المنعطف.

وليعلم الجميع في نهاية الأمر أن وطننا العزيز يمر بمرحلة تتسم بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. والجامعة جزء من هذا كله .. وهذا لا يجعلنا نخاف أو نيأس عندما نتيقن بان لدينا الإرادة والعزيمة على التعاون والتكاتف لتجاوز هذه المحن .. فإذا ضعف الاقتصاد وتدنت قيمة العملة وكان هناك من المنظرين والاقتصاديين من يمكنهم معالجة هذه الأمور فلا نخشى شيئا… وإذا ما تفشت الأمراض وكان لدينا الأطباء القادرون على التصدي لها فلا مجال للخشية حين إذن  ..

المهم في هذا كله الإيمان بأن لدينا العقول والقدرات البشرية والتي يمكننا من خلالها تجاوز كل هذا .. فقط يجب التسلح بالجدية والعزيمة والشفافية والمحبة ويكفينا سخطا على الظلام وتعييب أنفسنا فالعرب تقول وأكررها: «أن تشعل شمعة واحدة خير لك من أن تسخط على الظلام ألف مرة».

أخيرا فإني أقر بنصيبي من المسؤولية ومستعد لتقديم التضحيات المتوجبة علي في هذا الصدد. وأرجو لهذا الاندفاع الايجابي من طرفنا ألا يواجه بجمود السلبية وأن ينطلق الحوار وتؤخذ القرارات الشجاعة.


[1]. إنذار أثبتت الأحداث فيما بعدُ وجاهته.

[2] – قبيلة موريتانية معروفة بكثرة الإبل ومعرفة القيام عليها أحسن قيام.

[3] الإصلاح الجديد للمسار الجامعي مطابق لهذا التفضيل.

[4]

[5] تم الإنجاز.

[6]

[7] اقتراح التنفيذ. هذه ليست فكرتنا. لقد نسخنا تنظيم المنظومة الجامعية من الفرنسيين ومنظومات أخرى. هذا استثناء. كافة الأفكار والمقترحات المقدمة سابقا لم تستوح إلا من تنبؤاتنا أو تجربتنا المعيشة في موريتانيا.

[8]