الرئيسية أخبار رسالة مفتوحة إلى صاحب الفخامة السيد محمد ولد الشيخ الغزواني رئيس الجمهورية وإلى جميع الموريتانيين ذوي النيات الحسنة

رسالة مفتوحة إلى صاحب الفخامة السيد محمد ولد الشيخ الغزواني رئيس الجمهورية وإلى جميع الموريتانيين ذوي النيات الحسنة

0
0

​في هذه الرسالة المفتوحة ارتأيت أن ألفت انتباه فخامتكم، وانتباه الرأي العام الوطني والدولي إلى بعض المواضيع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتعلقة ببلدنا، مع تقييم أولي لحصيلة السنة الأولى من مأموريتكم.

دافعنا من وراء هذه الخطوة هو رغبتنا في أن نقدم لكم مع فجر السنة الثانية من مأموريتكم العناصر التي تبدو لنا دالة لإنارة الحاضر والحكم على الماضي.

 لقد شتت كثير من الأحداث التي مرت بنا خلال هذه السنة تركيزنا، وأثر على قدرتنا في مجال الاستكناه، الشيء الذي دفعنا إلى صياغة هذه الأفكار.لنبدأ بتصور المشهد من خلال استعراض السياق الذي تسلمتم فيه أرفع وأهم مسؤولية في البلد.

I- السياق

لن أقوم باستعراض مفصل لسياق وصولكم للسلطة، بل سأقتصر على بعض الجوانب الأكثر بروزا فيه.

الظرفية

وضعية اقتصادية ومالية صعبة يطبعها ركود اقتصادي، مديونية مفرطة، شركات للدولة شبه مفلسة، مستوى من البطالة لا نظير له في شبه المنطقة، إهدار الممتلكات والمالية العمومية بسبب اختلال تسيير الشأن العام، وبسبب درجة تفوق التصور من سوء الحكامة، مع تخريب مقنع لا مثيل له، ولم يكن في مقدور أحد تصوره قبل لجنة التحقيق البرلمانية.

  • – تدهور وتراجع لموريتانيا على جميع الأصعدة.
  • – شعب مقسم، يشعر بالمرارة والتجويع، تمت التضحية به بسبب حكامة مبنية على أساليب متناقضة مع قيمه الأخلاقية والروحية.
  • – نخبة تائهة فقدت بوصلتها ولجأت إما إلى الانتفاعية، وإما إلى الشعبوية أو إلى الخارج، إذا لم تكن قد جمعت بين هذه الخيارات الثلاثة السيئة.

 ابتداء اعتبر قدومكم للسلطة على أنه عناية إلهية. إذ أن جميع القلوب الإنسانية في موريتانيا خفقت في الواقع فرحا، والأرواح انبسطت، والنفوس اطمأنت طلبا للهدوء والسكينة. وهذا ليس نتيجة لحملتكم بل للتقدير الذي يحظى به شخصكم، والتقييم المُرْضِي لماضيكم، والاعتزاز بقيمكم، والثقة التي يوحي بها ويعززها خطكم السياسي المحترم، وخطابكم الانتخابي الذي أثار طرب شعب يتوق إلى الخلاص، حيث لم يجد أبدًا أي خطاب انتخابي من الصدى ولم يثر من الأمل الصادق وغير المفتعل ما أثاره خطابكم.

ورغم الشكوك والمحاولات التي قيم بها من خلال دعايات بعض المتحالفين الحاقدين ذوي الوجهين، الذين لم يدخروا جهدا لتلطيخ صورتكم عن طريق إظهار قربهم منكم، فقد دخلتم تاريخ البلد من خلال القلوب، ممثلين منذ الوهلة الأولى جميع الآمال.

II-ورغم فترة “بيضاء” شغلت تقريبا نصف السنة الأولى من مأموريتكم فإن نتائج هذه السنة كانت خارقة.

وسأقتصر هنا على أبرز ها:

  1. تمكن الإدارة والدولة من توفير الموارد لتشغيلها رغم العجز عن السداد الذي كان مبرمجا لها، ورغم التركةالمالية الثقيلة التي وجدت أمامها، مما يعتبر في حد ذاته بطولة تستحق التنويه بجدارة.
  2. إطلاق -رغم هذه الوضعية- برنامجي انتعاش تنمويين متزامنين، الشيء الذي يشكل هو الآخر نجاحا لا يقل شأنا عما سبق، ويكشف عن شجاعة عظيمة.
  3. التحكم في تسيير جائحة كوفيد 19 دليل ألمعية وتسديد وعناية من الله تعالى.
  4. سياسيا الإجماع الذي انعقد حولكم من الرؤساء السابقين، ومن الأحزاب أصدقاء وأعداء، وهو ما لم يكن أحد يتوقعه بعد سنوات من الجذب والتنافر، يمكن حقيقة وصفه بالتاريخي.
  5. التحقيق البرلماني المبكر، ولكن أيضا دون تدخل السلطة التنفيذية، كان هو جدار الرخام الذي تحطمت عليه الشكوك والظنون والشرور والتقولات.
  6. إحدى الثمرات الكثيرة لهذه الأعمال أن الأغلبية السياسية التفت حولكم، ومن ورائها كل موريتانيا مما جعل من يناوئونكم ليسوا في أعين الجميع سوى حفنة من المتقولين والمافيويين.
  7. الخصوم الذين جمعوا كل العصي والألغام الممكنة والمتصورة ووضعوها أمام عجلات موريتانيا تكسرت وعاد وبالها عليهم بفضل الله تعالى.

هؤلاء الأعداء والمتقولون علينا الذين لا يبعد اعتبارهم حلفاء لكوفيد 19، وهذا ما جعلني أسميهم كوفيد 18، ضيعوا علينا الكثير من الوقت والجهد كان يمكن توجيهه لتحقيق برنامج تعهداتي، وللقيام بنشاطات إيجابية وبناءة لم تكن متوقعة.ً

III-الإنجازات الرئاسية والسياسية تحتاج إلى التوطيد والتطوير ووضعية البلد ما زالت مقلقة

  1. الخطاب الانتخابي للرئيس منح الكثير من الأمل للجميع. لكن إذا كان هذا له آثاره الإيجابية فله أيضا سلبياته: خطورة خيبة الأمل التي قد يعبر عنها شعب منهك، قليل التحمل والصبر، وغير مطلع بما فيه الكفاية على إمكانيات البلد، ويرغب في حل فوري بعصا سحرية لجميع مشاكله العامة والخاصة.
  2. الداعمون السياسيون للرئيس تنقصهم الحيوية، وروح المبادرة، وأحيانا الصدق، فالانتفاعيون الباحثون عن الامتيازات السهلة يدركون أن رياح التاريخ ليست في صالحهم، أما أصحاب المثل الصادقون فلم يفهموا أنه لا يمكن حرق كل المراحل دفعة واحدة، في حين أن الداعمين السياسيين الحقيقيين غير المقصيين قد تعودوا على أن يكونوا في الهامش، والنظام السياسي الذي مرد على التصفيق له بالأيدي والأرجل لا يبذل أي جهد من أجل استقطابهم ومد اليد لهم للاستفادة من إبداعهم ودعمهم.
  3. الاتجاه نحو توجيه طلب أو استجداء للرئيس مغروس في النفوس والعادات، أما مساعدته ودعمه بدون شرط مسبق فمسألة تموت لدى الجميع فور إعلان نتائج الاقتراع، في حين أن رئيس الجمهورية هو الأحوج من بين جميع المواطنين للدعم بالنظر إلى حجم المسؤولية التي يحمل على عاتقه. ومع أنه إليه يرجع إسناد البرنامج “برنامجه”، ويسنده لنفسه “برنامجي”، وهذا صحيح، فهو لا يستطيع القيام بالمهمة وحده على غرار قبطان الطائرة أو ربان السفينة. إنه يحتاج على الأقل لدعم نشط متفان وبدون شرط من بين داعميه السياسيين، وفي كل الديمقراطيات يحتاج إلى موقف إيجابي وعقلاني من جميع المواطنين.
  4. مشاكل البلد والمواطنين والدولة التي تنتظر حلولا منذ القريب أو منذ القدم لا تحصى، والأولويات ليست دائما محددة بدقة، والذين يبحثون عن الحلول لا يعرفون كيف يبرهنون على التحلي بالصبر وإعطاء الوقت للوقت، خلافا لرئيس الجمهورية الذي يتحلى بهذه الصفات النادرة والثمينة.لم يتسلم أبدًا رئيس قبل محمد ولد الشيخ الغزواني تركة ثقيلة وسلبية كهذه.الأسوأ من ذلك أن كل شيء تم القيام به لكي يستسلم ولد الشيخ الغزواني تحت وطأة ثقل المديونية، ويستقيل بسبب العوز، وانعدام الوسائل التقنية والمالية والبشرية في الحال أو في الأفق المنظور.
  5. من بين هذه المشاكل ما لم يسبق له مثيل ويحتاج بالتالي إلى حلول إبداعية.
  6. البرنامج الانتخابي للرئيس يحتاج للمواءمة والتحديث، فخلال إعداده لم تكن المعطيات الصحيحة والشاملة متاحة بصورة كافية، وبقيت بعض جوانبها مخفية، والتشخيص الذي يستند إليه كل برنامج يجب أن يكون دقيقا وتلقائيا، ويجب أن يكون قد أنشئ عن علم. وخلافا لهذا فإن محرري هذا البرنامج كانوا يجهلون مستوى عمق المشاكل وغياب الوسائل الضرورية لتسويتها.
  7. فضلا عن ذلك طرأت بعض الأحداث الاستيراتيجية أو غير المتوقعة الكبرى بعد الإعلان عن هذا البرنامج (كوفيد 19 وما اكتشفته لجنة التحقيق البرلمانية، نتائج جائحة أخرى من 10 سنوات.

الأولوية في بداية هذه المأمورية هي إرساء نظام تعمل سلطته على الصعيدين السياسي والاقتصادي لإقامة إعلام ناجع وتسويق صادق. في الجمهورية هذا يبدأ بالرئيس والمؤسسة الرئاسية، وهذه المهمة تعود تحت إشرافه وإشراف فريقه إلى الحكومات التي يمكنها أن تتعاقب، وإلى داعميه دعما غير مشروط، وحلفائه السياسيين من مختلف التوجهات…بالنسبة للمراقب النشط أو غير النشط للمشهد السياسي خلال الآونة الأخيرة من البديهي أن كل هذه الأطياف، بحثا عن مصلحة موريتانيا، يجب أن توطد بدون تأخير إنجازاتها باتباع استيراتيجية تتمحور تدريجيا حول الأهداف ذات الأولوية أو الاستيراتيجية عن طريق البدء بما يجب البدء به أي المسائل الأكثر إلحاحا.

كما أنه غني عن القول -وهذا ننساه كثيرا- أنه يجب دائما أن يتم تحديد آجال واستحقاقات: خطط وبرامج محددة في الزمن لفعالية ما نقوم به من خطط.

…يتواصل

محمد ولد محمد الحسن
المعهد الدولي للبحث والدراسات الاستيراتيجية
12 اكتوبر 2020